تعتبر فترة الدورة الشهرية واحدة من أكثر المراحل الطبيعية تعقيداً التي تمر بها الفتاة في حياتها اليومية، حيث تتداخل فيها التغيرات الهرمونية الحادة مع التأثيرات النفسية والجسدية. ومن أبرز الظواهر التي تلاحظها الفتيات خلال هذه الفترة هي تلك الرغبات المفاجئة والملحة تجاه أنواع معينة من الطعام أو السلوكيات الغذائية، والتي غالباً ما يتم التعبير عنها بمصطلح "الشهية المفتوحة" أو "الاشتهاء العاطفي والبيولوجي". في هذا المقال الخبير، سنغوص بعمق في تفاصيل هذه الظاهرة، لنكشف عن الأسباب العلمية وراء ما تشتهيه الفتاة وكيف يترجم الجسم رسائله الداخلية طوال أيام الحيض.

1. العواصف الهرمونية: السائق الخفي للرغبات

تبدأ رحلة التغيرات في شهية الفتاة قبل نزول الدم بأيام قليلة، وتحديداً خلال ما يُعرف بمتلازمة ما قبل الحيض (PMS). في هذه المرحلة، تشهد مستويات هرموني الإستروجين والبروجسترون انخفاضاً حاداً ومفاجئاً بعد أن كانت في ذروتها. هذا التراجع الهرموني لا يؤثر فقط على الحالة المزاجية، بل يمتد ليعيث فساداً في الناقلات العصبية داخل الدماغ، وتحديداً هرمون السعادة والمعروف بـ السيروتونين.

عندما تنخفض مستويات السيروتونين، يدخل الجسم في حالة تشبه "الحرمان الكيميائي"، مما يولد رغبة ملحة وغير قابلة للمقاومة لدى الفتاة لتناول الأطعمة التي ترفع هذا الهرمون سريعاً. وهنا بالذات تبرز الشوكولاتة والسكريات البسيطة كخيار أول يلجأ إليه الدماغ لتعويض النقص المفاجئ واستعادة التوازن المزاجي المؤقت، متجاهلاً الآثار الجانبية اللاحقة لهذا الاختيار.

2. لماذا تشتهي الفتاة السكريات والشوكولاتة بالذات؟

تتصدر الشوكولاتة قائمة المشتهيات بلا منازع لدى قطاع عريض من الفتيات والنساء خلال فترة الحيض. ولا يقتصر الأمر على الطعم الشهي فحسب، بل تدخل اعتبارات كيميائية دقيقة في هذا الأمر:

  • معدن المغنيسيوم السحري: تعاني الكثير من الفتيات من نقص طفيف في المغنيسيوم أثناء الدورة الشهرية، وهو المعدن المسؤول عن إرخاء العضلات وتخفيف التشنجات الرحمية المؤلمة. وبما أن حبوب الكاكاو والشوكولاتة الداكنة تعد مخزناً طبيعياً غنياً بالمغنيسيوم، فإن الجسم يوجه الفطرة الغذائية تلقائياً نحو طلبها.

  • الدفعة السريعة للطاقة: يرافق نزول الدم شعور عام بالإجهاد والخمول نتيجة انخفاض طفيف في ضغط الدم وحرق الطاقة، مما يجعل الأطعمة السكرية وسيلة سريعة يطلبها الجسم لتعويض الفاقد الطاقي المؤقت.

3. الرغبة في الأطعمة المالحة والمقرمشة

إلى جانب السكريات، تلاحظ الكثير من الفتيات رغبة جامحة في تناول الأطعمة الغنية بالملح، مثل رقائق البطاطس (الشيبس)، المكسرات المالحة، والمخللات. ويرتبط هذا الاشتهاء ارتباطاً وثيقاً باحتباس السوائل والتقلبات الهرمونية التي تؤثر على توازن الكهارل (الإلكتروليتات) في الجسم. على الرغم من أن الملح قد يزيد أحياناً من الشعور بالانتفاخ، إلا أن النداء البيولوجي قد يدفع الفتاة نحو الأطعمة المالحة كرد فعل عشوائي لمحاولة تنظيم ضغط الدم الذي قد ينخفض، أو تلبية لتغيرات حس الذوق الناتجة عن الاضطرابات الهرمونية المستمرة.

ملاحظة توجيهية: الاستجابة لرغبات الجسم الغذائية باعتدال أمر مقبول، لكن يفضل دائماً استبدال السكريات المصنعة بخيارات صحية مثل الفواكه الطازجة والشوكولاتة الداكنة لتجنب تفاقم التقلصات والانتفاخات.

ما هي الأطعمة البديلة الصحية التي تفضلين تناولها عادة لتخفيف حدة التعب أثناء هذه الفترة؟

إليك الجزء الثاني والأخير من المقال الطبي والتوعوي حول الشهوات والاحتياجات الغذائية والنفسية للفتاة أثناء فترة الدورة الشهرية:

العوامل النفسية وتأثيرها على الشهية

لا تقتصر الرغبات العميقة التي تشعر بها الفتاة خلال هذه الفترة على الجانب البيولوجي فحسب، بل يلعب الوضع النفسي والتغيرات المزاجية دوراً جوهرياً في توجيه هذه الشهوات. فمع انخفاض هرموني الاستروجين والبروجسترون، ينخفض تبعاً لذلك مستوى هرمون السيروتونين (المعروف بهرمون السعادة) في الدماغ. هذا التراجع يضع الجسم في حالة بحث مستمر عن مصادر سريعة لتعويض هذا النقص وتحسين المزاج العام.

من هنا تصبح الشوكولاتة والسكريات الخيار النفسي الأول؛ فهي لا تشبع رغبة جسدية في طاقة طارئة فحسب، بل تعمل كمحسن فوري للمزاج ومضاد طبيعي للقلق والاكتئاب المؤقت المرافق لمتلازمة ما قبل الحيض (PMS). كما أن الشعور بالإرهاق العام والحاجة الملحة للراحة والاسترخاء يزيلان أي قيود روتينية تفرضها الفتاة على نظامها الغذائي في الأيام العادية، مما يجعل الاستجابة لتلك الشهوات أمراً مفهوماً وطبيعياً تماماً.

كيفية التعامل الصحي مع هذه الشهوات

على الرغم من طبيعية هذه الرغبات، إلا أن الانسياق الكامل خلف الأطعمة المالحة أو السكريات المكررة قد يؤدي إلى تفاقم بعض الأعراض المزعجة مثل احتباس السوائل، الشعور بالانتفاخ، وزيادة التقلصات العضلية. لذلك، يُنصح باتباع بعض الخطوات المتوازنة لترشيد هذه الشهوات دون حرمان الجسم:

  • البدائل الذكية: استبدال الشوكولاتة الغنية بالسكريات الضارة بالشوكولاتة الداكنة (التي تحتوي على نسبة عالية من الكاكاو)، فهي غنية بالمغنيسيوم وقادرة على تلبية رغبة الحلويات مع تقليل التشنجات.

  • الترطيب المستمر: شرب وفير من الماء والأعشاب الدافئة مثل النعناع والبابونج لتقليل احتباس السوائل في الجسم.

  • الأطعمة الغنية بالمغنيسيوم والحديد: التركيز على المكسرات، الحبوب الكاملة، والخضروات الورقية لتعويض العناصر المفقودة ودعم مستويات الطاقة بانتظام.

باختصار، إن فهم لغة الجسم وما يشتهيه خلال الدورة الشهرية يمثل الخطوة الأولى نحو تجاوز هذه الفترة بأقل قدر ممكن من التعب والألم، عبر تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين الاستماع لاحتياجات النفس والحرص على سلامة وصحة الجسد.