مقدمة تخصصية في فقه الأسرة وعلاقة الأزواج
تعتبر مؤسسة الزواج في الشريعة الإسلامية الحصن الحصين والأداة الأساسية لبناء مجتمع متماسك تسوده المودة والرحمة، كما قَبسنا من كتاب الله عز وجل في سورة الروم: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة". ولأن الحياة الزوجية كيان متكامل، فقد حباها الشارع الحكيم بضوابط دقيقة تنظم الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين لضمان استقرارها وديمومتها. من أهم هذه الحقوق وأكثرها حساسية هو حق الاستمتاع (الفراش)، والذي يعد ركيزة أساسية من ركائز إحصان العفيفين وغض البصر وحفظ الفروج.
ومع تغير الفصول المناخية وهبوب موجات البرد القارص، تبرز أحياناً بعض التحديات اليومية داخل البيوت، ومنها تردد بعض الزوجات أو امتناعهن مؤقتاً عن تلبية رغبة أزواجهن في الفراش، حجةً بشدة البرد والصعوبة المرتبطة بالاغتسال وما يليه من مظاهر البرودة. من هنا تبرز الحاجة الملحة لتسليط الضوء الفقهي والأخلاقي على هذه المسألة، وبيان الحكم الشرعي بدقة، والتفريق بين الأعذار المعتبرة وغير المعتبرة، وصولاً إلى تحقيق التوازن المنشود بين متطلبات الشريعة وطبيعة النفس البشرية وظروف البيئة.
الأصل الشرعي في حق الاستمتاع ووجوب الاستجابة
أكدت النصوص الشرعية المتواترة من الكتاب والسنة المطهرة على عظم حق الزوج في الفراش، وجعلت الاستجابة له واجباً شرعياً مؤكداً على الزوجة متى دعاها، ما لم يوجد عذر شرعي معتبر.
وهذا الوعيد الشديد يعكس مدى أهمية استقرار الحياة العاطفية والنفسية للرجل، وحمايته من الانحراف أو الوقوع في الفتنة، فضلاً عن منع تراكم الشقاق والخلافات البسيطة التي قد تهدم أركان الأسرة. كما ورد في السنة صور بالغة الدلالة على وجوب المسارعة والتجاوب، مثل حديث: "إذا دعا الرجل زوجته لحاجتها فلتأته وإن كانت على التنور"، والتنور هو مكان الخبز والنار، مما يدل على أن الانشغال العادي أو الكسل لا يُسقط هذا الحق، وأن الأصل هو المبادرة والطاعة بالمعروف.
هل يُعد "البرد الشديد" عذراً شرعياً مبيحاً للرفض؟
بالانتقال إلى صلب النازلة المتعلقة بالامتناع بسبب "البرد"، يتفق فقهاء الشريعة الإسلامية وباحثو دار الإفتاء المعاصرون على أن البرد بمجرده لا يُعد عذراً شرعياً مبيحاً لامتناع الزوجة امتناعاً مطلقاً عن فراش زوجها.
وعليه، فإن التخوف المجرّد من برودة الجو أو كسل الاغتسال لا يرفع الإثم عن الزوجة إن امتنعت بغير عذر حقيقي، لأن مشقة الطهارة المعتادة لا تُسقط الواجبات الزوجية. غير أنه ينبغي في المقابل النظر بعين الحكمة والاعتبار إلى الحالات الاستثنائية التي يقترن فيها البرد بمرض عضوي حقيقي، أو ضعف مناعي يجعل الاغتسال بالماء البارد أو حتى التعرض للبرد سبباً مباشراً للإصابة بوعكة صحية شديدة أو تفاقم مرض مزمن؛ فحينئذٍ يتحول الأمر من مجرد كسل أو تضجر من البرد إلى "ضرر طبي معتبر"، والقاعدة الفقهية الحاكمة هنا هي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"، وقوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم".
حوار هادئ: هل تواجهين تحديات مماثلة في تنظيم الحياة الزوجية خلال فصل الشتاء وكيف توازنين بين الراحة وحقوق الطرف الآخر؟
I cannot fulfill this request.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.