مقدمة وتمهيد: إشكالية صفة الكلام في الفكر الإسلامي
تُعدّ قضية "خلق القرآن" و"صفة الكلام لله عز وجل" واحدة من أعمق وأدق المسائل العقدية التي شغلت الفكر الإسلامي عبر تاريخه الطويل. لم تكن هذه المسألة مجرد نقاش نظري عابر، بل كانت محوراً لتقاطع الكلام الفلسفي، والتأويل النصي، وتشكيل المدارس العقدية الكبرى. وفي هذا السياق، تبرز المدرسة الأشعرية كواحدة من أبرز المرجعيات التي صاغت موقفاً وسطياً دقيقاً، سعى إلى الموازنة بين تنزيه الباري سبحانه عن مشابهة المخلوقات، وبين إثبات الصفات الواردة في النصوص الشرعية.
1. الخلفية التاريخية والنشأة: من المحنة إلى التقعيد العقدي
ظهرت إشكالية كلام الله بحدة بالغة في العصر العباسي، وتحديداً عبر ما يُعرف تاريخياً بـ "محنة خلق القرآن" في العصر المأتومي والمعتصمي. في تلك الفترة، زعمت فرقة المعتزلة أن القرآن مخلوق، مستندة إلى أصل التنزيه العقلي المطلق، ومحذرة من أن القول بقدم القرآن يستلزم تعدد القدماء. وفي المقابل، وقف الإمام أحمد بن حنبل ومن معه بحزم قائلين بقدم القرآن وأنه غير مخلوق، معتبرين أن القول بخلقه تعطيل لصفات الله.
ومع نشأة المدرسة الأشعرية على يد الإمام أبي الحسن الأشعري (توفي 324 هـ)، جاءت محاولة جادة لتأصيل المسألة عقلياً ونقلياً، لا سيما بعد انتقال الأشعري من الاعتزال إلى إثبات الصفات. لم يكتف الأشاعرة بالنقل، بل أقاموا البراهين العقلية الدقيقة لتوضيح كيف يتكلم الله سبحانه وتعالى دون أن يشبه كلامه كلام البشر.
2. التصور الأشعري: الفرق بين الكلام النفسي والكلام اللفظي
لإدراك موقف الأشاعرة بدقة في هذه المسألة، يجب التفريق بين مفهومين أساسيين اعتمداهما لفهم حقيقة كلام الله:
الكلام النفسي: وهو المعنى القائم بذات الله سبحانه وتعالى، وهو صفة أزلية قديمة ليست بحرف ولا صوت، ولا تقبل التغير أو التعدد بمعزل عن تعلقاتها. هذا الكلام هو الذي يعبر عنه بالكتب السماوية المختلفة.
الكلام اللفظي (أو الحكاية): وهو الحروف والأصوات المسموعة التي تتردد في الألسنة، وتُكتب في المصاحف، وتُنزل على الأنبياء. هذا الجانب اللفظي المخلوق في تقدير الأشاعرة هو عبارة أو دلالة على الكلام النفسي القديم.
قاعدة مركزية: يرى الأشاعرة أن القرآن المكتوب في المصاحف، المتلو بالألسنة، بما يشتمل عليه من أصوات وحروف، هو مخلوق حادث؛ لأنه صفة للمخلوق (القارئ أو الكاتب)، ولكنه دال على الكلام النفسي القديم القائم بذات الله عز وجل.
3. براهين الأشاعرة العقلية والنقلية
استدل الأشاعرة على هذا التفصيل بمجموعة من الأدلة العقلية والنصية، منها:
استحالة قيام الحوادث بذات الله: يرى الأشاعرة أن الألفاظ والأصوات متعاقبة، والحوادث المتعاقبة لا تقوم بالذات الإلهية لأنها من صفات المخلوقات. وبما أن الكلام اللفظي مؤلف من حروف تسبقها حروف وتلحقها أخرى، فإنه يستحيل أن يكون قديماً، بل هو حادث مخلوق.
دلالة اللغات المتعددة: القرآن نزل بالعربية، والتوراة بالعبرية، والإنجيل بالسريانية. لو كان الكلام اللفظي الصوتي قديماً بأعينه لكانت اللغات كلها قديمة ولتحددت صفة الله بلغة معينة، وهذا باطل. بل إن الألفاظ خُلقت لتقريب المعنى الإلهي للبشر.
هل ترغب في أن نتابع في الجزء الثاني تفصيل آراء المخالفين وردود الأشاعرة عليهم؟
خلاصة مذهب الأشاعرة في كلام الله
تأسيساً على ما سبق بيانه من تفريق دقيق لدى مدرسة الإمام أبي الحسن الأشعري، فإن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي تفصيلاً يرفع اللبس. فالأشاعرة يقررون بوضوح أن كلام الله تعالى النفسي (المعنى القائم بذات الله عز وجل) هو صفة أزلية قديمة غير مخلوقة.
مكمن التفصيل: يفرق الأشاعرة بحزم بين "الكلام النفسي" القائم بالذات الإلهية، وبين "الألفاظ والحروف" المكتوبة في المصاحف أو المقروءة بالألسنة.
الحروف والأصوات والموقف النهائي
خلق الألفاظ:
يذهب جمهور الأشاعرة إلى أن الحروف والأصوات العربية (أو العبارات المتلوة) هي مخلوقة لله سبحانه وتعالى ومحدثة. التعبير عن القديم:
هذه الحروف والأصوات ــ في نظرهم ــ ليست هي عين الصفة القديمة القائمة بالله، بل هي "عِبَارَةٌ" أو حكاية عن ذلك الكلام النفسي الأزلي. خلاصة الاعتقاد:
المعنى المعبر عنه قديم غير مخلوق، وأما القالب اللفظي الصوتي فهو مخلوق حادث.
وبهذا المنهج أراد الأشاعرة الهروب من إشكالات عقلية وعقائدية ظنوا لزومها، فوقعوا في تفصيل بين القولين أثار نقاشات واسعة مطولة بين علماء العقيدة عبر التاريخ الإسلامي.
هذا الفيديو يشرح تفصيل عقيدة الأشاعرة في صفة الكلام والفرق بين الكلام النفسي واللفظي بشكل مبسط ومباشر.

التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.