الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمر المرسلين، أما بعد:

تعد مباحث العقيدة والأسمـاء والصفات من أجلّ العلوم وأدقها في الشريعة الإسلامية، لارتباطها المباشر بمعرفة الخاتم سبحانه وتعالى وتنزيهه عما لا يليق به جل جلاله. وفي سياق الخوض في تفاصيل العقائد والرد على الشبهات والأسئلة التي تتردد في أذهان بعض الباحثين أو المستشكلين، يبرز تساؤل أحياناً حول ما لم يرد به نص صحيح صريح، مثل الأسئلة المتعلقة ببعض الأعضاء الجسدية للمخلوقات وتطبيقها على الذات الإلهية تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

إطار التعامل مع الأسماء والصفات الإلهية

تستند عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات إلى أصلين عظيمين محكمين، قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. فهذه الآية الكريمة تمثل الميزان الدقيق الذي تنضبط به عقول المؤمنين؛ حيث جمعت بين نفي التشبيه والممثلة في قولـه "ليس كمثله شيء"، وبين إثبات الصفات على ما يليق بجلاله في قولـه "وهو السميع البصير".

وعليه، فإن القاعدة المتبعة لدى سلف الأمة وأئمتها أن صفات الله تعالى توقيفية؛ بمعنى أنها تتوقف حصراً على ما ورد في الكتاب العزيز أو السنة النبوية الصحيحة. فكل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم أثبتناه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وما سكت عنه الوحي ولم يثبته ولم ينفه، فالواجب الشرعي والعقلي إزاءه هو التوقف، وعدم الخوض فيه بالظن أو التقديس المذموم أو تشبيه الخالق بالمخلوقين.

موقف العلماء من المسائل غير الواردة

لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة أي ذكر لما يسمى بـ "الفم" أو الأعضاء المماثلة للذات الإلهية المقدسة. ولذلك، فإن الخوض في مثل هذه الأمور المستحدثة أو محاولة إثباتها أو نفيها تفصيلاً بلا دليل قطعي يعد تكلُّفاً مذموماً وخروجاً عن منهج السلف الصالح.

فالله سبحانه وتعالى منزه عن أعضاء الجسد وأدوات المخلوقات؛ إذ إن الأجسام والأعضاء والآلات من خصائص المخلوقين المفتقرين إلى أداة وجارحة للتعبير أو العمل. أما الخالق العظيم، فإنه سبحانه غني عن العالمين، وإذا وصف نفسه بصفات كالكلام أو الإرادة أو السمع والبصر، فإننا نؤمن بها حقيقة على الوجه الذي يليق به، بلا كيف ولا تشبيه، ونعلم أن صفاته لا تشبه صفات المخلوقين تماماً كما أن ذاته لا تشبه ذواتهم.

  • هل ترغب في أن نستكمل الجزء الثاني من المقال متضمناً تفصيل آراء المذاهب الإسلامية المختلفة حول ضوابط إثبات الصفات الفعلية والذاتية؟

إكمالاً لما سبق من تأصيلٍ عقدي، فإن الخوض في تفاصيل الذات الإلهية وما لم يرد به نصٌ صريح ومعصوم يُعد مسلكاً مذموماً ومخالفاً لمنهج السلف الصالح. إن القاعدة الأساسية في باب أسماء الله وصفاته تقوم على أصلين محكمين: التنزيه المطلق بلا تعليق، والإثبات بلا تشبيه، مصداقاً لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.

وعليه، فإن إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى كائناً حقيقياً لا يماثل كلام المخلوقين، لا يستلزم بحال القول بوجود أعضاء أو جوارح كالفم أو الشفاه أو اللسان؛ فصفات الباري تبارك وتعالى تابعة لذاته المقدسة، والقول في الصفات كالقول في الذات. فكما أن ذات الله لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته وأفعاله لا تشبه صفات ولا أفعال المخلوقين. وكل ما يخطر بالبال أو يتصور في الذهب من كيفيات مادية أو أعضاء جسمية، فالرب جل جلاله أعظم وأجل من ذلك بكثير.

وفي ختام هذا الطرح، يجب على المسلم الوقوف عند ما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة دون زيادة أو تنطع، وتفويض الكيفية لله عز وجل مع الإيمان الجازم بمعاني الصفات وكمالها المطلق، تنزيهاً لله عن كل نقص أو تشبيه بالخلق.

ما هي القاعدة الكلية التي تجمع بين إثبات صفات الله وتنزيهه عن المخلوقات؟