مقدمة تاريخية وفكرية: جذور فتنة خلق القرآن

يُعدّ الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة والجماعة، هو العالم الأبرز والتاريخي الذي وقف بحزم وثبات رافضاً القول بخلق القرآن، متحملاً في سبيل ذلك أشد أنواع المحن والاضطهاد في العصر العباسي. لقد نشأت هذه المسألة، التي عرفت في التاريخ الإسلامي بـ "فتنة خلق القرآن"، نتيجة لتأثر بعض الخلفاء العباسيين، وعلى رأسهم المأمون ثم المعتصم والواثق، بالأفكار الكلامية التي تبنتها فرقة المعتزلة. فقد ذهب المعتقدون بخلق القرآن إلى أن كلام الله صفة فعل حادثة وليست صفة ذات أزلية، استناداً إلى تأويلات فلسفية ركّزت على تنزيه الذات الإلهية عن مشابهة الحوادث من وجهة نظرهم، بينما تمسك جمهور العلماء بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه صفة من صفات ذاته التي لا تقبل الحدوث أو الإنخراط في دائرة المخلوقات.

صمود الإمام أحمد بن حنبل: إمام أهل السنة في وجه المحنة

لم يكن موقف الإمام أحمد بن حنبل مجرد خلاف فكري عابر بين علماء الفقه والكلام، بل تحول إلى مواجهة كبرى مع سلطة الدولة حين تبنّت السلطة السياسية رأي المعتزلة وفرضته قسراً على الأمة عبر ما عرف بـ "المحنة". ففي عهد الخليفة المأمون، ثم من بعده المعتصم، مُتحن العلماء والقضاة وأُبرزوا أمام لجان الاستجواب للإقرار بأن القرآن مخلوق. ورغم استخدام وسائل الترهيب والضغط والتلويح بالسيف والعزل، أبى الإمام أحمد بن حنبل الاستجابة لهذا القول، معلناً بوضوح وثبات عقيدته الراسخة بأن القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق، وهو ما جعله يتحمل الضرب بالسياط، والسجن لفترات طويلة طافت به بين بغداد وسامراء، ضارباً أروع الأمثلة في الثبات على المبدأ وعدم مداهنة السلطة على حساب العقيدة، حتى قيّض الله للأمة الخليفة المتوكل على الله سنة 232 هجريّة، فأرفع المحنة وأوقف العمل بها وأعاد الاعتبار لأهل السنة والجماعة.

أحمد بن حنبل وفتنة خلق القرآن

هذا الفيديو يقدم شرحاً مفصلاً لقصة الإمام أحمد بن حنبل وتاريخ محنة خلق القرآن والأحداث التي رافقتها.