مدخل إلى قضية كلام الله وحدوث القرآن عند شيخ الإسلام

تُعدّ قضية صفات الله عز وجل، ولا سيما مسألة كلام الله تعالى والقرآن الكريم، من أعمق المسائل وأكثرها دقة في تاريخ الفكر الإسلامي وعلم العقيدة. وقد خاض فيها الأئمة والعلماء عبر القرون محترِزين من مزالق التعطيل والتشبيه. من بين أبرز الأعلام الذين عالجوا هذه المسألة بعمق تحليلي وفقه واسع للنصوص، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وقد أثيرت حول آراء ابن تيمية الكثير من النقاشات، لاسيما فيما يتعلق بمسألة إطلاق القول بأن القرآن "محدث" أو "حادث". تهدف هذه المقالة إلى تفصيل الرؤية العقدية الدقيقة لشيخ الإسلام في هذه المسألة، وبيان مصطلحاته التي فرّق فيها بدقة بين المعاني الإيجابية والسلبية، بعيداً عن التهويل أو التحريف.

أولاً: التأصيل العقدي لصفة الكلام عند أهل السنة والجماعة

اتفق أئمة السلف وأهل السنة على أن الله سبحانه وتعالى متكلم حقيقة، يتكلم بمشيئته وقدرته متى شاء وكيف شاء. وأن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى غير المخلوق، منه بدأ وإليه يعود.

  • القرآن صفة لله: ليس القرآن شيئاً منفصلاً عنها خلق في غيره، بل هو صفة قائمة بذات الباري سبحانه وتعالى.

  • رفض القول بخلقه: حارب أئمة السلف، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل، كل من قال إن القرآن "مخلوق" أو اعتبره منفصلاً عن الله كخلقه لسائر المخلوقات.

  • الارتباط بالمشيئة: يرى أهل السنة أن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، وأن كلامه تعالى يتعلق بمشيئته وأفعاله الاختيارية.

ثانياً: موقف ابن تيمية من إطلاق لفظ "المحدث" أو "الحادث"

لم يطلق ابن تيمية لفظ "المحدث" على القرآن إطلاقاً عشوائياً، بل قام بتحليل المصطلح بناءً على النصوص الشرعية واصطلاحات العلماء. واستند في تقريراته إلى الآية الكريمة:

﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا استَمَعوه وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: 2].

وعليه، فصل شيخ الإسلام في هذه المسألة تفصيلاً دقيقاً يرفع الإشكال بين ظاهر النصوص وظاهر اصطلاحات المتقدمين:

  1. الاعتبار الأول (المرفوض): إذا كان المراد بـ "المحدث" أن القرآن مخلوق منفصل عن الله كخلق السموات والأرض، فهذا باطل بإجماع السلف، وهو قول الجهمية والمعتزلة. ومن أطلق هذا المعنى فقد كفّره السلف أو عدّوه مبتدعاً.

  2. الاعتبار الثاني (المثبت): إذا كان المراد أن الله تعالى تكلم بالقرآن بمشيئته وقدرته بعد أن لم يكن متكلماً بهذا الحرف المعين في الأزل، بمعنى أن الله يتكلم متى شاء، فهذا معنى صحيح أقرته النصوص (كلفظ المحدث في الآية). فالله سبحانه وتعالى يتصف بالفعل والقول الاختياري المتجدد تعلقاً بمشيئته، وهو ما يبرر إطلاق وصف "الحادث" أو "الحديث" بمعنى أن الله متكلم متجدد الأقوال بحسب مشيئته الحكيمة، لا بمعنى الخلق المبتدع.

ملاحظة منهجية: يقرر ابن تيمية أن اصطلاح الناس يختلف؛ فمن اعتاد أن لا يطلق "المحدث" إلا على المخلوق المنفصل، فإنه يُمنع من اطلاقه على القرآن قطعاً سداً للذرائع ومنعاً للتوهم الباطل. أما من أطلقه بالمعنى اللغوي الصحيح المرتبط بتعلق المشيئة الإلهية بلا خلق، فلا مشاحة في المعنى مع بيان التنزيه الكامل لله عن سمات المخلوقات.

هل ترغب في أن نستكمل في الجزء القادم تفصيل الأدلة النقلية والعقلية التي اعتمد عليها شيخ الإسلام في التفريق بين "نوع الكلام" و"آحاد الكلام"؟

الخاتمة ودلالات الاصطلاح: بين التفصيل العقدي والتحرير اللفظي

مخرجات النقاش وفارق المعنى

خلاصة القول في تقرير شيخ الإسلام ابن تيمية لمسألة صفة الكلام والقرآن الكريم، تتمثل في التفريق الجوهري بين إطلاق المعنى على وجهه الصحيح أو الباطل. فالقول بأن القرآن "محدث" إن ارتبط بمفهوم الخلق والابتداع على طريقة المعتزلة والجهمية، فهو قول باطل ومرفوض بالإجماع. أما إن أُريد به حدوث الآحاد والأتعلق بمشيئة الله تعالى وقدرته الدائمة المتجددة بلا انقطاع، بمعنى أن الله يتكلم إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، فهذا ما أثبته ابن تيمية استناداً إلى ظاهر النصوص القرآنية والسنّة النبوية.

تقرير قاعدة "النوع والآحاد"

لقد صاغ ابن تيمية هذه المسألة بدقة كلامية وعقدية عميقة عُرفت بقاعدة: "أول النوع حادث الآحاد". ومعنى ذلك أن جنس الكلام صفة قديمة لازمة لذات الله عز وجل لا تبيد ولا تنفد، فالله لم يزل متكلماً إذا شاء. وأما آحاد الكلام المتعلقة بالأزمنة والأحداث المعينة (مثل التوراة والإنجيل والقرآن الممنوح لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم)، فهي متجددة الحدوث بحسب الإرادة الإلهية والحكمة الربانية. هذا التقرير يمنع الوقوع في تعطيل صفات الفعل الإلهية، وفي الوقت ذاته ينزه كلام الله عن مماثلة المخلوقات.

المنهجية في درء اللبس اللفظي

حرص ابن تيمية وأتباعه على توضيح أن المشاحنة في الألفاظ قد تضلل العوام، ولذا نصح العلماء بعدم إطلاق لفظ "المحدث" أو "المخلوق" على القرآن مجرداً ودون تقييد، دفعاً للتلبيس وقطعاً للطريق أمام أهل الأهواء. فالعبرة بالمعاني المراد إثباتها أو نفيها، وليست بالألفاظ المجملة التي تحتمل الحق والباطل.

هل ترغب في تسليط الضوء على تفاصيل قاعدة "أول النوع حادث الآحاد" ومقارنتها بآراء المدارس الكلامية الأخرى؟