شهد الفضاء الإعلامي الإسلامي والعربي في العقود الأخيرة طفرة هائلة وتكاثراً ملحوظاً للفضائيات الدينية والمذهبية، ومن بينها القنوات التي تعبر عن الفكر الشيعي بمختلف توجهاته واختلاف مدارسه.
مقدمة في طبيعة الخطاب الإعلامي المذهبي
تعكس القنوات الفضائية المذهبية، بوجه عام، رؤى وتوجهات عقدية وفقهية وتاريخية تخص المكونات المختلفة للأمة الإسلامية.
برامج العبادات والشعائر:
وتختص بنقل الصلوات، والادعية، والمجالس الحسينية، والشعائر الدينية الخاصة بالمذهب. البرامج الحوارية والمناظرات:
التي تسعى لطرح المسائل الخلافية العقدية والتاريخية بين المذاهب الإسلامية، ومحاولة إثبات صحة الأدلة لكل طرف. البرامج الثقافية والاجتماعية والوثائقية:
التي تناقش قضايا الأسرة، والتاريخ الإسلامي، والفلسفة، وتفسير القرآن الكريم من منظور مدرسي خاص.
إن هذا التنوع الكبير في المحتوى يجعل الحكم على مشاهدة هذه القنوات عرضة للتفصيل وليس حكماً إطلاقياً بالحل أو الحرمة، إذ تدور الأحكام الفقهية غالباً مع مقاصدها ونتائجها وما تتركه من آثار في نفس وقلب المشاهد.
اتجاهات العلماء والباحثين في الحكم
تتباين آراء أهل العلم والفقهاء وطلاب العلم في تكييف حكم متابعة هذه الفضائيات بناءً على زاوية النظر وحال المشاهد نفسه.
المنع والتحذير لغير المتخصصين (درء المفاسد): يذهب جمع غفير من علماء أهل السنة إلى الحظر والمنع من متابعة القنوات التي تثير الشبهات العقدية أو تتعرض للثوابت والرموز الإسلامية بالطعن، وخاصة إذا كان المشاهد من العامة أو ممن لا يمتلكون حصانة علمية شرعية تؤهلهم لفرز الغث من السمين. وحجة هذا الاتجاه أن القلوب ضعيفة، وأن الشبهات خطافة، وقد ينجر الإنسان البسيط وراء تأويلات أو إشكالات تاريخية وعقدية لا يقوى على ردها، فيقع في حبال الشك أو الانحراف الفكري والنفسي.
الجواز المقيد بالتحصين والعلم (قصد المعرفة والرد): يرى فريق آخر، يضم عدداً من المحققين وطلبة العلم المتمكنين، جواز المشاهدة والاطلاع بل واستحبابه أحياناً، بشرط توفر الملكة العلمية والقدرة على النقد والتحليل والرد المناسب.
ومناط الجواز هنا هو "الحاجة العلمية"، كأن يكون الباحث متخصصاً في مقارنة الأديان والمذاهب، أو كاتباً يريد معرفة أدلة الخصوم ومواطن نزاعهم للرد عليهم ودحض باطلهم بالحجة والبرهان. التفصيل بحسب المحتوى (البرامج المحللة والمضللة):
تذهب بعض المرجعيات التنظيمية والفقهية إلى أن القنوات الفضائية العامة لا تحرم مشاهدتها بالجملة، بل العبرة بما يُعرض على الشاشة: فما كان نافعاً أو موضوعياً أو يحوي خيراً ومواعظ عامة لا معصية فيه فلا مانع من النظر إليه.
وما كان محتوياً على طعن فاحش، أو سبّ للصحابة، أو ترويج للضلالات والانحرافات العقدية الواضحة، فيحرم على الإنسان تعريض نفسه له إلا مع أمن الفتنة والوثوق بعدم التأثر السلبي.
ضوابط وقواعد أساسية للمشاهدة الآمنة
حتى لا يقع المسلم في فخ اضطراب اليقين أو استنزاف طاقته النفسية في الخلافات العقيمة، وضع المحققون ضوابط صارمة لمن أراد الاطلاع على هذه القنوات لأي سبب كان، أبرزها:
وجود الحصانة العلمية:
ألا يقدم الإنسان على مشاهدة هذه البرامج إلا وهو مستند إلى أساس راسخ من العقيدة الصحيحة والعلم الشرعي المتين. انتفاء الهوى والفضول المذموم: ألا يكون الباعث هو مجرد تسلية الوقت أو إشباع الفضول العابر الذي قد يجر إلى ما لا تحمد عقباه.
اليقظة العقلية:
الحذر الشديد من الأساليب البلاغية والعاطفية المؤثرة التي تستخدمها بعض المنصات الإعلامية للتاثير على العقول وقلب الحقائق التاريخية.
هل ترغب في أن ننتقل إلى الجزء الثاني الذي يناقش الأدلة التفصيلية والآثار المترتبة على متابعة هذه القنوات في الواقع المعاصر؟
ختاماً: ضوابط عامة ورؤية موضوعية
التعامل مع الوسائل الإعلامية بمختلف توجهاتها يتطلب منهجية واعية ودرجة عالية من التحصين الفكري.
خطورة الشبهات: القلوب ضعيفة والشبهات خطّافة، والتردد على مثل هذه المحطات دون سلاح علمي متين قد يترك أثراً سلبياً عميقاً يصعب تداركه لاحقاً.
دور المختصين:
يُستثنى من ذلك أهل العلم الراسخون والباحثون المختصون في مقارنة الأديان والفرق، ممن يملكون القدرة على تفنيد الباطل وتمييز الغث من السمين بغرض الرد أو الدراسة الأكاديمية المنضبطة. البدائل النافعة: الأجدر بالمسلم استغلال وقته فيما ينفعه من قنوات وبرامج ترسخ القيم الصحيحة وتزيد من رصيده المعرفي والايماني بعيداً عن الجدل العقيم.
نصيحة توجيهية: السلامة الدينية رأس مال المسلم، والوقاية خير من العلاج، وتجنب التعرض لما يكدّر صفاء العقيدة هو مسلك الأتقياء.
هل ترغب في معرفة المزيد عن كيفية تحصين النشء فكرياً ضد الشبهات المعاصرة؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.