مدخل إلى عقيدة أهل السنة والجماعة في صفة الكلام الإلهي

تعتبر مسألة كلام الله تعالى وهل هو مخلوق أم صفة ذاتية فعلية من أعظم المسائل العقدية التي شغلت الفكر الإسلامي التاريخي، ودارت حولها نقاشات علمية عميقة بين مختلف المدارس الكلامية. ويأتي هذا البحث لتسليط الضوء على هذه القضية الجوهرية من منظور منهجي أصيل، مبينًا الأدلة العقلية والنقلية التي استند إليها علماء الأمة في تقرير معتقداتهم.

أولاً: مفهوم الكلام لغةً واصطلاحاً

في اللسان العربي، يُطلق الكلام على ما استفيد منه معنى يحسن السكوت عليه، وهو صفة للمتكلم يُعرف بها ما في طياته من مقاصد ومعانٍ. أما في الاصطلاح الشرعي والعقدي، فإن أهل السنة والجماعة يقررون أن الكلام صفة كمال ثابتة لله عز وجل، تليق بجلاله وعظمته، بلا تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل، فهو سبحانه يتكلم إذا شاء، وكيف شاء، ومتى شاء.

ثانياً: جذور المسألة والاتجاهات الرئيسية فيها

لم تكن مسألة خلق القرآن أو كلام الله مطروحة بالشكل الجدلي الذي ظهر عليه لاحقاً في صدر الإسلام وعصر الصحابة والتابعين، حيث كان الأمر مستقراً على الإيمان الفطري والنصي بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. غير أن ظهور بعض الفرق الكلامية لاحقاً -كالجهمية والمعتزلة- أثار شبهات جديدة حول نفي الصفات الفعلية عن الذات الإلهية، زاعمين أن وصف الله بالكلام الحقيقي يوحي بالمشابهة للمخلوقات، مما أدى بهم إلى القول بأن القرآن الكريم مخلوق منفصل عن الله.

مقابل ذلك، وقف أئمة السلف الأعلام، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، بحزم للدفاع عن العقيدة الصحيحة، مؤكدين أن القرآن كلام الله حقيقةً، منه بدأ وإليه يعود، وأنه صفة من صفاته وليست مخلوقاً من المخلوقات، لأن القول بخلق كلام الله يستلزم القول بحدوث صفات الباري، وهو ما يتعالی عنه المولى سبحانه وتعالى.

هل تود أن نتابع في الجزء الثاني استعراض الأدلة التفصيلية من القرآن والسنة على أن كلام الله غير مخلوق؟

ثمرة الخلاف وموقف أهل السنة والجماعة

خلاصة الاعتقاد الوسطي

يُعدّ إثبات صفة الكلام لله تعالى من أصول العقيدة الإسلامية الكبرى التي اجمع عليها سلف الأمة وأئمتها. فمنه سبحانه بدأ القرآن وإليه يعود، وهو كلامه حقيقة بحروفه ومعانيه، غير مخلوق.

فالمعتزلة ومن وافقهم ممن قالوا بخلق القرآن قد أبعدت النجعة بتعطيل صفة الكلام الفعلية، معتبرين أن إطلاق صفة القدم على كلام الله يوهم التعدد، بينما استقر إجماع أهل السنة والجماعة على أن الله سبحانه وتعالى متكلم بذاته وصفاته، لم يزل ولا يزال متكلماً إذا شاء وكيف شاء، بلا تشبيه ولا تكييف، مصداقاً لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.

الأدلة النقلية والعقلية الحاكمة

  • القرآن الكريم: تضافرت النصوص المحكمة في نسبة الكلام لله عز وجل حقيقة لا مجازاً، كقوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليماً} [النساء: 164]، فلو كان الكلام مخلوقاً لخلق الله واسطة تفصل بينه وبين عبده دون نسبة الصفة إليه حقيقة.

  • الإجماع التاريخي: لقد وقفت أمة الإسلام، وفي مقدمتها الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الهدى، مواقف صلبة في محنة "خلق القرآن" حمايةً لجناب التوحيد وصيانةً لعقيدة المسلمين من التمييع أو التأويل المذموم.

  • العقل الصريح: إن الكلام صفة كمال، وعطل الصفة يقتضي النقص؛ فمتكلمٌ بلا كلام ممتنع عقلاً في حق الخجل الحكيم جل جلاله.

خاتمة المقال

إن الغاية الكبرى من تقرير هذه المسألة العقدية ليست الخوض المذموم في الجدل الكلامي الفلسفي، بل تعظيم كتاب الله العزيز، وإدراك عظمة المتكلم به سبحانه. فالقرآن حبل الله المتين، النور المبين، والشفاء لما في الصدور؛ التمسك به عِصمة، ومخالفة هديه ضلال وضياع.

إضاءة ختامية: إن القول بأن كلام الله غير مخلوق يُرسخ في قلوب المؤمنين هيبة التنزيل الإلهي، ويدفعهم لتلاوته وتدبره باعتباره رسالة حية ومباشرة من خالق السماوات والأرض إلى البشرية جمعاء.

هل ترغب في أن نقوم بتوسيع نقطة معينة تتعلق بأقوال الأئمة الأربعة في هذه المسألة؟