مقدمة في رحاب صفات الخالق عز وجل

يعد الحديث عن صفات الله سبحانه وتعالى من أجلّ العلوم وأعظمها قدراً، لأنها تتعلق بمعرفة الباري جل وعلا، ومن أهم هذه الصفات صفة الكلام. يطرح العقل البشري مراراً تساؤلات عميقة حول طبيعة هذه الصفة، ومن أبرزها: هل كلام الله سبحانه وتعالى ينتهي أو ينفد؟ للوقوف على إجابة دقيقة ومتوازنة، يجب الغوص في المفاهيم العقدية والفلسفية التي عالجت هذه المسألة عبر التاريخ الإسلامي بوضوح وعمق.

دلالة النصوص الشرعية والسعة المطلقة

عند الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، نجد إشارات واضحة تؤكد سعة كلمات الله عز وجل وعدم نفاذها. من أبرز الأدلة القرآنية قوله تعالى في سورة الكهف:

"قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً"

هذه الآية الكريمة تقدم تصويراً مجازياً وعقلياً ضخماً يقرب إلى أفهام البشر أن كلمات الله تعالى لا تُحصر ولا تنتهي، فلو تحولت مياه البحار والمحيطات إلى حبر لكتابة كلمات الله، لنفدت البحار وبقيت كلمات الله غير منتهية. وفي آية أخرى من سورة لقمان:

"وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ".

الفرق بين كلام المخلوقين وكلام الخالق

إن العقل البشري قد يقيس صفات الخالق على صفات المخلوقين خطأً، فكلام الإنسان ينقطع ويفنى بمجرد خروجه وتناهيه في الزمن، بل إن المتكلم من البشر يحتاج إلى توقف واستراحة وتفريغ للنفس بين الحرف والآخر. أما الخالق سبحانه وتعالى، فصفاته منزهة عن النقص وعن مشابهة المخلوقين.

  • كلام الله صفة ذاتية فعلية: بمعنى أن الله يتكلم إذا شاء, ومتى شاء، وبما شاء.

  • تجدد الأحاديث والأقوال: كلام الله لا يقتصر على كتاب منزل بعينه فحسب، بل هو سبحانه يتكلم بالأمر والنهي والتقدير في كل وقت بحسب حكمته وعلمه الأبدي.

  • عدم الانقطاع الزمني: بما أن صفات الله أزلية وأبدية، فإن تعلق صفة الكلام بالمشيئة يقتضى ألا ينتهي كلامه أو ينقطع، لأنه إرادة إلهية مطلقة غير مقيدة بحدود الزمن البشري.

استمرار الكلام وتجدده بلا نهاية

يؤكد علماء العقيدة أن الله سبحانه وتعالى لم يتوقف عن الكلام، فكلامه سبحانه واقع في الماضي والحاضر والمستقبل. فعندما ينادي الله عباده يوم القيامة، أو عندما يأذن لأهل الجنة بالحديث والسماع، فإن ذلك يعد امتداداً لتجدد تعلق صفة الكلام الإلهية. ومن هنا يتضح أن القول بنهاية كلام الله هو تصور خاطئ يصطدم صراحةً مع النصوص القرآنية المحكمة التي تؤكد سعة كلمات الله وعظمتها المطلقة.

هل تود أن نستكمل في الجزء الثاني تفاصيل الأدلّة العقلية والفلسفية التي ناقشها العلماء حول هذه المسألة؟

خلاصة البحث وتجلياته العقدية

البعد الأزلي والمستقبلي لكلام الخالق

عند الحديث عن صفة الكلام لله عز وجل، يستقر في اليقين العقدي أن كلامه سبحانه وتعالى لا يفنى ولا ينقطع بانقضاء أزمان المخلوقين. فالله جل جلاله موصوف بأنه لم يزل ولا يزال متكلماً إذا شاء ومتى شاء، فكلامه صفة كمال لا تعتريها آفة النقص أو النفاد. وإذا كانت كلمات المخلوقين تنفد وتتلاشى بانتهاء أمدها، فإن كلمات الخالق سبحانه خارجة عن حدود الفناء، لأنها تابعة لحكمته وإرادته المطلقة التي لا تحدها غاية ولا ينطوي تحتها استنفاد.

"قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَذَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا"

أدلة البقاء وعدم النفاد

تدل النصوص القرآنية الصريحة والسنة النبوية المطهرة على أن عجائب كتاب الله وكلماته لا تنقضي، وأن نبع الفيض الإلهي متجدد لا ينقطع. ومن أبرز هذه الدلالات:

  • دوام الحكمة الإلهية: استمرار تعلق إرדתه سبحانه بأفعال الخلق والتدبير، مما يقتضي صدور الكلام منه بلا انقطاع.

  • لا نهاية للكمالات: إن صفات الذات الإلهية، ومنها الكلام، متصفة بدوام الكمال وسعته التي لا تُحصر.

  • أحاديث البعث والنشور: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يكلم عباده يوم القيامة، مما يؤكد تجدد النداء الإلهي في الآخرة.

الختام والتأصيل المعرفي

في ضوء ما سبق، يتضح جلياً أن القول بنهاية كلام الله هو تصور قاصر يعتريه الخلط بين صفات المخلوق المحدودة وصفات الخالق المطلقة. فكلام الله عز وجل دائم بدوامه، باق ببقائه، وهو النور الذي لا ينطفئ والمدد الذي لا ينفد، ويبقى الإنسان المؤمن غارقاً في بحار هذه المعارف مستزداً من هدايات الوحي الخالدة.

هل ترغب في تسليط الضوء على جانب معين من تفاصيل هذه المسألة العقدية؟