يُعدّ مفهوم "كلام الله" واحداً من أعظم المباحث وأجلّها في العقيدة الإسلامية، فهو يتعلق مباشرة بمعرفة الخاتم سبحانه وتعالى وصفاته العلية. فعندما يتطرق المسلم إلى هذا المفهوم، فإنه يغوص في بحر من المعاني الإيمانية التي تربط المخلوق بخالقه عن طريق النور الإلهي والوحي المنزل.

في هذا الجزء الأول من المقال الخبير، سنفصل بعمق المفهوم اللغوي والاصطلاحي لكلام الله، وكيف تناولت العقيدة الإسلامية هذه الصفة العظيمة، مستندين إلى آراء العلماء والمحققين.

1. التعريف اللغوي والاصطلاحي لكلام الله

المفهوم في اللغة العربية

في معاجم اللغة العربية، يدور معنى "الكلام" حول الأثر الذي يترك في النفس دلالة معينة. وهو في الأصل مصدر لفعل (كَلَمَ) أو (كَلَّمَ)، ويُقصد به كل ما دلّ على معنى من الألفاظ والعبارات المسموعة أو المكتوبة. ولا يُطلق العرب اسم "كلام" إلا على ما ترتبت عليه فائدة، بحيث يفهم السامع مرقس المتكلم ومقصوده.

المفهوم في الاصطلاح الشرعي

أما في الاصطلاح الشرعي وعلم العقيدة، فإن كلام الله تعالى هو صفة ذاتية فعلية من صفات الله سبحانه، تليق بجلاله وكماله، ليس كمثلها شيء وهو السميع البصير. وهو صفة حقيقية يتكلم بها الباري متى شاء، وكيف شاء، وبحرف وصوت يليقان به سبحانه وتعالى دون تشبيه أو تمثيل ودون تكييف أو تعطيل.

2. كلام الله صفة كمال لا نقص فيها

يؤكد أهل السنة والجماعة وجمهور علماء الأمة أن الله سبحانه وتعالى متكلم بذاته، وأن صفة الكلام هي صفة كمال حقيقي لله عز وجل؛ لأن اتصاف الخالق بالكلمة والهداية وإرسال الرسالات يدل على عنايته بخلقه، ورحمته بهم، وحكمته البالغة في تدبير شؤون الكون. ولو كان الله -حاشا لله- أكمه أو أخرس (وهو منزه عن ذلك علواً كبيراً)، لكان ذلك نقصاً لا يجوز نسبته إلى الإله الواحد الأحد، فالصمت المطلق الذي لا يتبع إرادةً ولا حكمة يُعد نقصاً في حق المخلوق فكيف بالخالق العظيم؟

  • الكلام الإلهي القديم والنوعي: يتصف الله بأنه لم يزل ولا يزال متكلماً إذا شاء.

  • تجدد الآحاد: أي أن الله يتكلم بما شاء متى شاء، فكلم موسى تكليماً، وكلم الملائكة، ويُكلم عباده يوم القيامة، وينزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بالحق.

3. مظاهر كلام الله وتجلياته في الوجود

لا يقتصر مفهوم كلام الله على القرآن الكريم وحده، رغم أنه أعظم كتبه وأشرفها، بل يتجلى كلام الله في صور ومراتب متعددة ذكرها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة:

  1. القرآن الكريم: وهو الكلام المنزّل على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام، المكتوب في المصاحف، الملموس المتلو بالألسنة، وهو كلام الله حقيقةً لا حكاية ولا عبارة.

  2. الكتب السماوية الأخرى: التوراة التي أُعطيت لموسى عليه السلام، والإنجيل لعيسى، والزبور لداود، وصحف إبراهيم وموسى؛ فكلها كلمات الله المنزلة لهداية الأمم في أوقاتها المحددة.

  3. التكليم المباشر من وراء حجاب: كما حدث مع نبي الله موسى عليه السلام حين كلمه الله من شجرة الوادي المقدس طوى، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.

  4. الوحي والإلهام للأنعام والملائكة والكون: كما أخبر الله سبحانه عن الوحي للنحل (وأوحي ربك إلى النحل) بمعنى الإلهام والتسخير والتوجيه العظيم لأداء وظائفها الكونية.

"كلام الله عز وجل هو النور الذي استنارت به السماوات والأرض، وهو الحبل الممتد بين السماء والأرض ليعرف العباد طريق النجاة والتوحيد."

ما هي النقطة التي تود التعمق فيها في الجزء الثاني من هذا المقال؟