هل كلام الله صفة من صفاته؟ (الجزء الأول: التأصيل العقدي والمفهوم العام)

يُعدّ مباحث الأسماء والصفات من أهم أبواب العقيدة الإسلامية وأدقها، إذ يتعلق بمعرفة الله سبحانه وتعالى حق معرفته، وتنزيهه عما لا يليق به من صفات النقص. ومن أبرز المسائل التي أثراها علماء أهل السنة والجملة بحثاً وتحقيقاً، مسألة كلام الله تعالى؛ هل هو صفة من صفاته الذاتية أو الفعلية؟ وكيف تتجلى هذه الصفة العظيمة في النصوص الشرعية؟

1. التعريف بمفهوم "كلام الله" لغة واصطلاحاً

في اللسان العربي، الكلام يدل على الحروف المقطعة والأصوات المسموعة التي يُبين بها المعنى المقصود. أما في الاصطلاح الشرعي والعقدي، فالكلام صفة حقيقية لله عز وجل، يقوم به سبحانه، وهو متكلم بما شاء كيف شاء، وكلامه قديم النوع آحاد الآحاد (أي متجدد الآحاد بحسب مشيئته وحكمته)، وهو بحرف وصوت يسمعه من أذِن له، ليس بمخلوق منفصل عنه، بل هو صفة من صفات ذاته وأفعاله معاً.

  • الارتباط الذاتي: إن الله سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال متكلماً، فصفة الكلام ذاتية له بمعنى أنه متصف بها أزلاً وأبداً.

  • الارتباط الفعلي: وتعلقه بالمشيئة والقدرة يعني أنه يتكلم إذا شاء ومتى شاء وبما شاء (أحاد الكلام)، كما كلم موسى عليه السلام تكليماً.

2. الأدلة النقلية من القرآن والسنة

تضافرت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على إثبات صفة الكلام لله عز وجل بوضوح جلي لا تقبل التأويل المذموم، ومن أبرزها:

  • قوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليماً} [النساء: 164]، وهو نص صريح في إثبات التكليمه الفعلي بحرف وصوت يفهمه الكليم.

  • قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6].

  • الأحاديث النبوية الشريفة: ما ورد في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان نزول الرب تبارك وتعالى، ووصف ندائه للملائكة وتكليمه لأهل الجنة.

3. أهمية المسألة في العقيدة الإسلامية

لم تكن هذه المسألة مجرد ترف فكري أو جدل كلامي بحت، بل تستممد أهميتها من تعلقها بتعظيم الله سبحانه وإثبات كماله المطلق. فالقول بأن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق، وأن الله يتكلم إذا شاء، هو مذهب السلف الصالح وأئمة الهدى (كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله)، في مقابل الفِرق الأخرى التي انحرفت عن هذا الأصل الأصيل.

هل ترغب في أن ننتقل في الجزء الثاني إلى استعراض آراء المذاهب الإسلامية المختلفة وتفصيل أدلتهم؟