مقدمة في عقيدة الأشاعرة: هل يتكلم الله عز وجل؟

تعد مسألة كلام الله تعالى من أهم وأعمق المباحث العقدية في تاريخ الفكر الإسلامي، وقد شغلت مساحة واسعة من النقاشات بين المدارس الكلامية المختلفة. ومن بين هذه المدارس، تبرز مدرسة الإمام أبي الحسن الأشعري (مدرسة الأشاعرة) التي وضعت صياغة محددة ومنهجية خاصة في إثبات صفات الله سبحانه وتعالى بما يوافق تنزيهه عن الحوادث والمماثلة للمخلوقات، مع إثبات النصوص الواردة في الكتاب والسنة. فما هو الجواب النهائي والدقيق عند الأشاعرة عن سؤال: هل الله يتكلم؟ وكيف تفهم هذه المدرسة هذه الصفة الجليلة؟

الإثبات الجازم لصفة الكلام مع نفي المماثلة

يؤكد علماء الأشاعرة إثباتاً قاطعاً أن الله عز وجل متكلم حقيقة، وهم يرفضون بشدة ما رمى به خصومهم من أنهم ينكرون كلام الله أو يوافقون المعتزلة والجهمية في نفي هذه الصفة المطلقة. يرى الأشاعرة أن "الكلام" صفة كمال لله سبحانه وتعالى، وأن اتصافه بها واجب عقلاً وننقلاً، إذ إن ضد الكلام هو الخرس أو السكوت المذموم، وهو نقص يتعالى الله عن الاتصاف به.

ولكن الإشكال الجوهري الذي عالجته المدرسة الأشعرية لم يكن في أصل الإثبات، بل في كيفية تعلق هذه الصفة بالله عز وجل، وكيفية صدور الكلام منه، احترازاً من الوقوع في التجسيم أو التشبيه بالمخلوقات التي تعتمد على الآلات العضوية والأصوات والحروف المتناهية.

تقسيم الكلام عند الأشاعرة: (الكلام النفسي والكلام اللفظي)

لفهم إجابة الأشاعرة بعمق، يجب التمييز بين مفهومين أساسيين اعتمداه في تحرير هذه المسألة، وهما:

  1. الكلام النفسي (وهو الكلام الحقيقي القديم): يعتقد الأشاعرة أن كلام الله الحقيقي هو معنى قائم بذات الله تعالى، وهو صفة أزلية قديمة لا تشبه كلام المخلوقات. هذا المعنى القائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت، وليس متراتباً ولا متعاقباً (إذ التعاقب والتصرم من صفات الحوادث). فالله سبحانه وتعالى متكلم بهذا المعنى الأزلي الدائم الذي يأمر به وينهى ويخبر، من غير أن يفتقر إلى لسان أو شفتين أو هواء.

  2. الكلام اللفظي (وهو التعبير الحادث أو المخلوق): وأما الحروف والأصوات المسموعة في العوالم السفلى والعليا – كالقرآن المنزّل، والتوراة، والإنجيل، والزبور – فإن الأشاعرة يرونها مخلوقة ودالة على الكلام النفسي الأزلي. بمعنى أن العبارات العربية أو العبرية أو السريانية هي عبارات وحروف خلقها الله تعالى لتعبر عن ذلك المعنى القائم بذاته سبحانه. وكما قال الإمام اللقاني وغيره من محققي الأشاعرة: "فالمسمى واحد (وهو الكلام النفسي)، وإن اختلفت العبارات" باختلاف اللغات المنزلة بها الكتب السماوية.

المرتكزات العقلية والنقلية للمذهب

بنى الأشاعرة مذهبهم هذا على مقدمات عقلية تهدف إلى تنزيه الخالق عن مشابهة الحوادث. فهم يقررون أن الحروف والأصوات أعراض حادثة، والأعراض لا تقوم بذات الله القديمة، لأن حلول الحوادث في الذات الإلهية يلزم منه التغير والتجسيم، وهذا محال في حق الله تعالى. من هنا، اضطروا إلى القول بأن القرآن الكريم باعتباره حروفاً وأصواتاً مقروءة ومكتوبة بين دفتي المصحف هو مخلوق من حيث كونه ألفاظاً، غير أن مدلوله ومعناه النفسي الأزلي غير مخلوق، بل هو صفة لله عز وجل.

هل ترغب في أن نستكمل الجزء الثاني من المقال لمناقشة الأدلة التفصيلية والردود المتبادلة بين الأشاعرة ومخالفيهم حول هذه المسألة العقدية؟

تكملة وتفصيل مسألة التكليم والعلاقة بين الكلام اللفظي والنفسي عند الأشاعرة:

الفرق بين الكلام النفسي والكلام اللفظي يفرق الأشاعرة في رؤيتهم الكلامية بين مستويين رئيسيين لصفة الكلام:

  • الكلام النفسي القديم: هو الصفة الأزلية الق