مقدمة وتمهيد مفاهيمي
تُعد قضية "كلام الله" وصفاته، وخاصة ما يتعلق بالقرآن الكريم وكلمات البارئ عز وجل، من أعظم المسائل التي شغلت الفكر الإسلامي وتنازعت فيها المدارس الكلامية والعقدية على مدار التاريخ. وتبرز أهمية هذا البحث من كون صفة الكلام مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الذات الإلهية وتنزيهها، وكيفية تجلي الإرادة الإلهية في خلقه.
وعندما يطرح السؤال بصيغته التراثية أو المعاصرة حول طبيعة هذا الكلام وهل هو صفة ذاتية أزلية أم متعلق بالمشيئة والحوادث، تتباين الإجابات وفقاً لأصول كل مدرسة ومنهجها الاستدلالي في الجمع بين النصوص المحكمة والقواعد العقلية المجردة.
الموقف التاريخي ونشأة النزاع الكلامي
لم تكن مسألة خلق القرآن أو كلام الله مطروحة بالشكل الجدلي المعقد في صدر الإسلام العصر النبوي أو عصر الخلفاء الراشدين، حيث تلقى الصحابة الكرام الوحي بوعي إيماني خالص بعيداً عن التقعر والتكلف الفلسفي. غير أنه مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية واختلاط المسلمين بالفلسفات والثقافات الوافدة، ولا سيما في العصر العباسي، ظهرت إشكالية التعارض المزعوم بين تنزيه الله عن الحوادث وبين إثبات صفات الفعل.
برزت فرقة المعتزلة لتقرر أن كلام الله تعالى مخلوق، مستندة إلى أن كل ما سوى الله حادث ومخلوق، وأن وصف البارئ بالكلام الحرفي أو الصوتي يلزم منه مشابهة المخلوقات والحلول والحوادث.
تفصيلات المدارس الإسلامية الكبرى
تتوزع آراء المدارس الإسلامية الرئيسة حول هذه المسألة الدقيقة على مساحات متباينة من الفهم التداولي والنظري، ويمكن إبرازها في المحاور الآتية:
مذهب أهل السنة والجماعة (السلف):
يقررون أن كلام الله سبحانه وتعالى صفة حقيقية تليق به، بحرف وصوت يسمعان، وهو غير مخلوق بأصله ومعناه وألفاظه، ومنه القرآن الكريم المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. مذهب المعتزلة والجهمية:
يذهبون إلى أن الله خلق كلاماً في غيره (كاللوح المحفوظ أو الشجرة كما ورد في قصة موسى عليه السلام)، وأن القرآن مخلوق منفصل عن ذات الله، وأن إطلاق وصف القديم عليه يقتضي تعدد القدماء وهو محال عندهم. مذهب الأشاعرة والكلابية:
يفرقون بين ما يسمى بـ "الكلام النفسي" (وهو صفة أزلية قائمة بذاته تعالى لا تشبه كلام المخلوقات) وبين "الكلام اللفظي" أو الحروف والأصوات المخلوقة المعبر بها عن ذلك المعنى القديم.
الأدلة النقلية والعقلية عند الفريقين
استند كل فريق إلى ترسانة من الأدلة القرآنية والنبوية والبراهين العقلية لتدعيم موقفه وتفنيد آراء المخالفين:
"إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" (النحل: 40)
استدل أصحاب القول بعدم الخلق بهذه الآية الكريمة، وموجه الاستدلال عندهم أن الله لو كان خالقاً لقوله (كن)، لزم تسلسل الأقوال بلا نهاية أو لزم أن يكون القول مقولاً لقول آخر، وهو محال.
هل ترغب في أن نتابع في الجزء الثاني من المقال تفصيل أدلة المعتزلة ومناقشتها بعمق فلسفي أكبر؟
الخاتمة: ثبات العقيدة الوسطية
آراء المذاهب الإسلامية وخلاصة النزاع التاريخي
تُعدّ قضية "كلام الله" وصفاته من أعظم المسائل التي شغلت الفكر الإسلامي التاريخي، حيث تفرّقت فيها الآراء بين طوائف المعتزلة والجهمية الذين قالوا بخلق القرآن معتبرين أن إثبات القدم يُنافي التوحيد، وبين أهل السنة والجماعة الذين استقر إجماعهم على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وأنه صفة ذاتية فعلية لله سبحانه وتعالى لا تقبل الانفصال عنه.
الأبعاد العقدية والمنهجية للفهم الصحيح
يتضح جلياً لمن تدبّر نصوص الوحيين (الكتاب والسنة) أن الخوض في تفاصيل المجازات الكلامية المحضة قد أحدث فتناً كبرى بين المسلمين.
إضاءة ختامية: إن صيانة العقيدة الإسلامية من التاويلات الفاسدة تبدأ بالتمسك بما أجمع عليه السلف الصالح، وترك الخوض المذموم فيما فوق طاقة العقل البشري إدراكاً وتكييفاً.
كيف ترى أثر التمسك بالمنهج السلفي الوسطي في حماية وحدة صف الأمة الإسلامية وتجاوز الخلافات العقدية القديمة؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.