هل الله عز وجل يضحك؟ (الجزء الأول: التأصيل العقدي والمنهجي)

بين الحين والآخر، قد يطالع المسلم في كتب السنة النبوية الشريفة أو شروح العقيدة نصوصاً تثبت لله سبحانه وتعالى صفاتٍ فعلية قد تبدو للوهلة الأولى غريبة عن مدارك العقل البشري المحدود إذا قيسست بصفات المخلوقين، ومن أبرز هذه المسائل التي تُثار حولها التساؤلات، بل وتدق فيها عقول الباحثين عن اليقين: مسألة "ضحك الله عز وجل". فهل الله يضحك فعلاً؟ وكيف تتناول العقيدة الإسلامية الصحيحة هذا الأمر بعيداً عن التشبيه أو التعطيل؟

أولاً: قاعدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته

قبل الخوض في تفاصيل النصوص الواردة في صفة الضحك، يجب الانطلاق من القاعدة الكلية المحكمة التي أصلها سلف الأمة وأئمتها، مستمدين إياها من محكم التنزيل، وهي قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. هذه الآية الكريمة تمثل الميزان الدقيق في باب الأسماء والصفات، فهي تنفي التشبيه (أي تمثيل صفات الخالق بصفات المخلوقين)، وفي الوقت ذاته تنفي التعطيل (أي نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه أو أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم).

وعليه، فإن أهل السنة والجماعة يقرون بكل ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة من صفات لله عز وجل، ويؤمنون بها حقيقةً على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، من غير تحريف لمعانيها، ولا تعطيل لمضمونها، ولا تكييف لكيفيتها، ولا تمثيل لها بصفات البشر.

ثانياً: إثبات صفة الضحك في السنة النبوية الصحيحة

صفة الضحك لله سبحانه وتعالى هي من الصفات الفعلية الاختيارية المتعلقة بمشيئته وحكمته، يفعلها سبحانه متى شاء وكيف شاء، وهي صفة كمال تليق بذاته العلية، ولا تقارن أبداً بضحك المخلوقين الذي ينبثق عن ضعف أو نقص أو تعجب طارئ. وقد ثبتت هذه الصفة بأحاديث نبوية صحيحة بلغ بها الرواة حد التواتر المعنوي أو الصحة القطعية التي تلقاها الأئمة بالقبول والتسليم.

  • منها ما ورد في الصحيحين في قصة الرجل الذي آخر من يدخل الجنة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال له: ادخل الجنة).

  • ومنها الحديث الآخر المتفق عليه أو الوارد في السنن في قوله صلى الله عليه وسلم: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة)، في بيان لطف الله وحكمته البالغة في تحول الأعداء إلى أولياء، وهداية القاتل بعد إسلامه ليلحق بالمقتول شهيداً.

  • وما رواه الإمام أحمد وغيره من حديث أبي رزين العقيلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: "أيضحك ربنا؟ قال: نعم. فقال الرجل: لن نعدم خيراً من رب يضحك"، وهو استنباط فطري سليم يدل على أن إثبات هذه الصفات يبعث على الطمأنينة وحسن الظن بالله وبرحمته الواسعة لعباده.

ثالثاً: المنهج الحق في فهم المعنى ودفع التأويلات الباطلة

لقد وقع بعض المتكلمين وفرق التأويل في حرج عندما واجهتهم أحاديث الصفات الفعلية مثل "الضحك" و"العجب" و"النزول"، فحاولوا تأويلها وصرفها عن ظاهرها الحقيقي، فزعوا إلى القول بأن "ضحك الله" معناه "رضاه" أو "إرادته للثواب".

وردّ المحققون من علماء أهل السنة على هذا التأويل ببيان أن الضحك صفة فعلية ثابتة لله عز وجل كما يليق به، وإن كان الضحك الإلهي قد يدل أحياناً على الرضا أو الإكرام أو الفرح بصنيع العبد، إلا أن ذات الضحك صفة مستقلة لا يصح إلغاؤها وتحريفها إلى صفة أخرى لم ترد في النص، فالرضا صفة، والضحك صفة، وكلٌّ له معناه اللائق بالباري جل وعلا. التفويض الواجب هنا هو تفويض "الكيفية" لا تفويض "المعنى"؛ فمعنى الضحك في اللغة معلوم (وهو انبساط الوجه وظهور الأسنان سروراً)، وأما كيفيته وحقيقته عند الله عز وجل فهي من الغيب الذي لا يعلمه إلا هو، إذ لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر مثيلٌ لصفاته سبحانه.

ملاحظة منهجية: الإيمان بصفات الله عز وجل ومنها صفة الضحك لا يُستوحى منه التجسيم أو التخيل البشري، بل هو إيمان تسليم ويقين بأن الخالق أعظم وأجل من أن تدركه الأبصار أو تحيط به العقول، وكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته، ازداد تعظيماً له وخشوعاً بين يديه.

هل ترغب في أن نكمل في الجزء الثاني لاستعراض المواطن والمواقف المحددة التي أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يضحك فيها لعباده (مثل يأس الناس وقرب فرجهم) بالتفصيل والتحليل العقدي؟

دلالات الضحك الإلهي وآثاره الإيمانية في نفوس المؤمنين

مظاهر رحمة الله وتعجبه الكريم

استكمالاً لما سبق بيانه حول إثبات صفة الضحك لله عز وجل بما يليق بجل جلاله دون تكييف أو تشبيه، فإن النصوص النبوية الصحيحة بينت مواطن ومواقف يضحك فيها الرب سبحانه وتعالى تعظيماً لرحمته الواسعة وتلطفاً بعباده. من أبرز هذه المواقف ضحكه سبحانه من قنوط عباده ويأسهم، وقرب فرجه وتغير حالهم إلى اليسر والفرج المفاجئ؛ وحينها قال الصحابي الجليل أبو رزين العقيلي رضي الله عنه مستبشراً: «أويضحك ربنا؟ قال: نعم. قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً».

المعتقد الحق بعيداً عن التأويل المرفوض

يؤكد أهل السنة والجماعة أن صفة الضحك هي صفة فعلية اختيارية تعلق المشيئة الإلهية بها، تقع متى شاء وكيف شاء، وهي دلالة قائمة على الرضا والقبول وإظهار الفضل العظيم. وإن منهج السلف الصالح يقوم على إمرار هذه النصوص كما جاءت، وإثبات المعنى اللائق بالله عز وجل من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف أو تمثيل، عملاً بقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. وبذلك يُقطع الطريق أمام أي محاولة لتأويل النصوص بصرفها عن ظاهرها أو إنكارها جملة وتفصيلاً.

«إن معرفة صفات الله الفعلية ومنها الضحك تزرع في قلب المسلم اليقين الدائم، وتعزز حسن الظن بالله، وتغرس الأمل الفسيح في عدم اليأس مهما اشتدت الكروب والخطوب.»

الثمرة التربوية في حياة المسلم

تترك هذه العقيدة أثراً بالغاً في سلوك المؤمن ووجدانه؛ فهي تدفعه نحو مزيد من العمل الصالح والتقرب إلى الخالق سبحانه بالطاعات، كقيام الليل والإخلاص في العبادة. كما أنها تبث الطمأنينة المطلقة في نفس العبد، ليعلم أن ربه حليم رحيم يقدر الخير الخفي في طيات الابتلاءات، مما يجعله أكثر صبراً وثباتاً في مواجهة مصاعب الحياة الدنيا.

هل ترغب في أن نناقش تفاصيل أدلة صفات أخرى لله عز وجل وكيفية فهمها بمنهج الوسطية والاعتدال؟