أصل النشأة اللغوية بين التوقيف الإلهي والاصطلاح البشري تعتبر مسألة نشأة اللغة الإنسانية ومصدرها الأول من أعمق القضايا الفلسفية واللسانية التي شغلت أذهان العلماء والمفكرين على مر العصور.
إن الخوض في سؤال "هل اللغة من خلق الله؟"
أولاً: نظرية التوقيف والإلهام الرباني
تستند هذه النظرية إلى القول بأن الأصل في اللغات أنها وضع إلهي خالص، أوقَفَ اللهُ تعالى العبادَ عليه وألهمهم إياه، إما عن طريق الوحي، أو بإنشاء المعارف الضرورية في العقول.
الأدلة النقلية والشرعية:
يرى أصحاب هذا الاتجاه، وفي مقدمتهم أبو الفتح ابن جني في أحد قوليه، والإمام ابن حزم، والعديد من الأصوليين والمفسرين، أن الدليل الأبرز على خلق الله للغة هو النص القرآني الصريح:
قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31].
حيث استدلوا بلفظ "علَّم" على أن مصدر المعرفة اللغوية الأولى والأسماء الدالة على المسميات كان بتعليم مباشر من الخالق جل وعلا لنبيه آدم عليه السلام. قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم: 22]. إذ عُدَّ اختلاف "الألسنة" (أي اللغات واللغات الفرعية) آية من آيات القدرة الإلهية ومظهراً من مظاهر الخلق الرباني المتنوع.
الحجة العقلية لمذهب التوقيف:
يشير القائلون بالتوقيف إلى إشكالية منطقية في فرضية الوضع البشري الخالص؛ فلكي يتفق مجموعة من البشر على وضع ألفاظ لمسميات معينة (أي الاصطلاح)، لا بد لهم من وسائل تواصل سابقة يتقاهمون بها على هذا الاتفاق. وبما أن هذا يؤدي إلى دور منطقي لا ينتهي، فإن النتيجة الحتمية -حسب هذا الرأي- هي وجود أصل لغوي توقيفي أولي أودعه الله في الإنسان ليتمكن من خلاله من التواصل والتفكير.
ثانياً: نظرية المواضعة والاصطلاح البشري
في المقابل، ذهب فريق آخر من المتكلمين واللغويين، وعلى رأسهم أبو هاشم الجبائي وأغلب المعتزلة وجمع من علماء الأصول، إلى أن اللغة من وضع البشر واصطلاحهم.
مكمن الفكرة: يرى هذا الفريق أن الله عز وجل خلق للإنسان أدوات النطق والتفكير والإدراك، وألهمه القدرة على التعبير، ثم قام البشر بالتواضع والاتفاق على تسمية الأشياء بألفاظ معينة لتلبية حاجاتهم الاجتماعية والمعيشية المتجددة.
التفسير التأويلي للنصوص: يفسر أصحاب نظرية الاصطلاح الآية الكريمة {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} بأن التعليم الإلهي لآدم تمثل في إعطائه القدرة والعقل اللازمين لوضع الأسماء واستنباطها، أو أن الله ألهمه معرفة خواص الأشياء وحقائقها، فوضع آدم وأبناؤه الأسماء لها بالتدريج.
ثالثاً: المقاربة التوفيقية (التركيب بين الخلق والاصطلاح)
مع تشابك الحجج بين المذهبين، مال فريق متأخر من العلماء والمفكرين إلى تبني موقف وسط يوفق بين الفكرتين؛ ومفاده أن أصل اللغة ومادتها الأولى توقيف من الله تعالى (أصول الكلمات والألفاظ الأساسية)، ثم فتح الله للإنسان باب الاجتهاد والاشتقاق والاصطلاح لتوسيع تلك اللغة وتطويرها عبر الزمن لتلبي متطلبات الحياة البشرية المتغيرة.
فالله سبحانه وتعالى هو الخالق للقدرة اللغوية والواضع لأصولها الفطرية، بينما يعود النماء والتطور الدلالي إلى التفاعل البشري والاصطلاح الاجتماعي.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.