مقدمة في جوهر القضية

شغلت مسألة "خلق القرآن" تاريخ الفكر الإسلامي وعلم الكلام طويلاً، وتحولت في حقبة تاريخية معينة إلى محنة كبرى امتحنت ضمير الأمة وعلمائها، على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. غير أن الناظر بعين الفحص الاستدلالي يجد أن هذه المسألة ليست مجرد جدل لفظي، بل هي حجر الأساس في تصور العلاقة بين الخالق سبحانه وتعالى ومخلوقاته، وفي فهم طبيعة صفاته العليا.

فالقول بأن القرآن "كلام الله غير مخلوق" يمثل عقيدة أهل السنة والجماعة المستندة إلى النصوص المحكمة والبرهان العقلي السليم، وهو السد المنيع أمام تعطيل صفات الباري جل وعلا.

1. التعريف بمفهوم الكلام الإلهي

لكي ندرك لماذا لا يمكن للقرآن أن يكون مخلوقاً، يجب أولاً تفكيك مفهوم "الكلام" كصفة إلهية.

  • الكلام صفة كمال: يتفق العقلاء على أن المتكلم أكمل ممن لا يتكلم، والخرس أو العجز عن الكلام نقص. ولما كان الله عز وجل متصفاً بكل كمال مطلق ومنزهاً عن كل نقص، وجب أن تكون صفة الكلام ثابتة له أزلاً وأبداً.

  • الفرق بين الصفة والفعل: كلام الله تعالى صفة ذاتية فعلية؛ فهو يتكلم متى شاء وكيف شاء، وبصوت وحرف يسمع، وكلامه غير بائن عنه ولا منفصل كخلق سائر الأشياء.

  • بطلان حدوث الصفة: لو كان كلام الله مخلوقاً -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- لزم من ذلك أن الله سبحانه كان في الأزل "أبكم" عاجزاً عن الكلام حتى خلقه، وهذا نقص صريح يتعارض مع وجوب القدم والكمال المطلق لله عز وجل.

2. دلالة التفرقة بين "الخلق" و"الأمر" في القرآن الكريم

استدل أئمة السلف، وفي مقدمتهم الإمام سفيان بن عيينة والإمام أحمد بن حنبل، بآيات محكمات تؤكد بوضوح تام استقلال مفهوم "الخلق" عن مفهوم "الأمر" (الذي هو الكلام). ومن أبرز هذه الأدلة:

  • قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]. فلو كان الأمر (الكلام والقرآن) داخلاً في جملة الخلق، لما حسُّ عطفه عليه، لأن العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه.

  • قوله تعالى: {رَحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ} [الرحمن: 1-3]. فقد رتب الباري عز وجل التعليم المقترن بالقرآن مغايراً لخلق الإنسان، فالعلم والقرآن من صفاته، والإنسان كائن مخلوق منفصل عنه.

3. بطلان قياس القرآن على المخلوقات

حاول بعض المخالفين كالمعتزلة تشبيه كلام الله بكلام البشر أو بالأشياء المحدثة، وهو قياس مع الفارق الباطل عقلاً ونقلاً. فالأشياء إما أن تكون:

  1. أعيانًا قائمة بذاتها: كالسموات والأرض والجبال، وهذه متفق على أنها مخلوقة بكلمة "كن".

  2. صفات قائمة بالموصوف: كعلم الله، وحياته، وقدرته، وسمعه، وبصره.

وكلام الله من القسم الثاني؛ فهو صفة له، وصفات الخالق عز وجل غير مخلوقة، وإلا لزم قيام المخلوقات الحادثة بذات الخالق القديم، وهو محال. فالقرآن منزل منه تعالى، منه بدأ وإليه يعود، وهو كلماته التامات التي لا تنفد ولو كان بحر الدنيا مداداً لها.

هل ترغب في أن نستكمل في الجزء القادم الأدلة النقلية التفصيلية من السنة النبوية والرد على شبهات المخالفين؟

الخاتمة: ثمرات الاعتقاد بأن القرآن كلام الله غير مخلوق

التنزيه المطلق للذات الإلهية

إنَّ إقرارنا بأنَّ القرآن الكريم صفة من صفات الله تعالى، وغير مخلوق، يمثل حجر الأساس في تنزيه الخالق سبحانه عن مشابهة الحوادث والمخلوقات. فلو كان كلامه مخلوقاً لأصبح محتاجاً لمبدع يوجده، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. هذا الفهم يرسخ في قلوب المؤمنين عظمة الله المطلقة، ويوضح بجلاء الفرق التام بين الخالق وصفاته وبين العالم المخلوق المنظور.

التفريق الدقيق بين الكلام والصوت

من أهم القواعد العقدية التي غرسها سلف الأمة في هذه المسألة هو التمييز الواضح بين الكلام المضاف إلى الله تعالى وبين أفعال العباد المخلوقة.

  • الكلام الأصلي: هو كلام الباري جل وعلا حروفاً ومعانيَ.

  • الأداء البشري: أصوات القراء، وحركات ألسنتهم، والمداد المكتوب على الأوراق، كلها مخلوقة لأنها أفعال للعباد، في حين أن المقروء والمكتوب حقيقة هو كلام الله غير المخلوق. هذا الضابط يحمي المسلم من الغلو أو الوقوع في الشبهات الفكرية.

"الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري" — قاعدة جامعة ومختصرة تفصل بوضوح بين الجانب الإلهي المتعلق بالصفة والجانب البشري المتعلق بالأداء والتلاوة.

الأثر الروحي والتعظيم العملي

إن استشعار المؤمن بأن كل حرف يتلوه من المصحف هو اتصال مباشر بكلام الله القديم غير المخلوق، يضاعف من خشوعه وتعظيمه لكتاب الله. هذا الإيمان العميق يدفع المسلم لتدبر الآيات والعمل بها، باعتبارها رسالة ربانية حية وموجهة إليه مباشرة من الخالق العظيم، لا مجرد نص مخلوق عابر.

هل تود التعرف على تفاصيل المحنة التاريخية التي دارت حول هذه المسألة في العصر العباسي؟