متى خلق الله القرآن؟ (الجزء الأول: إشكالية البداية ومفهوم الكلام الإلهي)

تعتبر قضية "خلق القرآن" واحدة من أكثر المسائل العقدية والتاريخية إثارة للجدل والنقاش العميق في تاريخ الفكر الإسلامي. فعندما يطرح الباحث أو القارئ سؤال: "متى خلق الله القرآن؟"، فإنه يقتحم ميداناً شائكاً يتداخل فيه النص الديني، والفلسفة الكلامية، والسياق التاريخي والسياسي الذي أفرز ما يُعرف بـ "محنة خلق القرآن" في العصر العباسي.

لفهم هذه المعضلة بعمق، يجب أولاً تفكيك مصطلحات السؤال ذاتها، وإدراك كيف تقاطعت رؤى المدارس الإسلامية المختلفة تجاه طبيعة الذات الإلهية وصفاتها.

أولاً: مدخل إلى طبيعة القرآن الكريم وكلام الله

القرآن الكريم في العقيدة الإسلامية هو كلام الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، المكتوب في المصاحف، المَمْلُوّ في الصدور، المسموع بالتلاوة. ولكن، برز التساؤل الجوهري بين علماء المسلمين وفرقهم الكلامية:

  • هل كلام الله صفة ذاتية قديمة قدم الله عز وجل؟

  • أم هو فعل من أفعاله خلقه في زمن معين؟

هذا التساؤل هو الذي قسم علماء الأمة إلى اتجاهين رئيسيين؛ الأول يمثله جمهور أهل السنة والجماعة، والثاني تمثله فرق الاعتزال والفلسفة.

ثانياً: موقف أهل السنة والجماعة (القرآن كلام الله غير مخلوق)

يُجمع أهل السنة والجماعة على أن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق، وأنه صفة من صفات ذاته تعالى، كالعلم والقدرة والحياة. ويرون أن الله تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء وكيف شاء، فكلامه قديم النوع حادُّ الآحاد (أي أن أفراد الكلام أو الحروف قد تتعلق بمشيئته وحكمته في أزمنة متعددة، لكن أصل الصفة قديم قدم الله سبحانه).

  • حجة أهل السنة: استندوا إلى آيات قرآنية صريحة تفيد بأن القرآن تنزيل من رب العالمين، مثل قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)، وإلى دلالة أن صفات الخالق لا تشبه صفات المخلوقين، فاعتبار القرآن مخلوقاً يعني -في نظرهم- إحداث صفة لله عز وجل، مما يماثله بالحوادث والمخلوقات.

ثالثاً: موقف المعتزلة والفرق القائلة بخلق القرآن

في المقابل، ظهرت فرقة المعتزلة في أواخر العصر الأموي وبداية العصر العباسي، وتبنت مقولة إن "القرآن مخلوق".

  • دوافع المعتزلة: انطلق المعتزلة من مبدأ التوحيد الخالص والتنزيه المطلق للذات الإلهية من مشابهة الحوادث (المخلوقات). ورأوا أن القول بقدم القرآن يلزم منه تعدد القدماء، وهو ما ينافي وحدانية الله في نظرهم. وبناءً عليه، ذهبوا إلى أن الله خلق القرآن في اللوح المحفوظ أو أنزله ككائن مخلوق في الزمن الذي شاءه، فصار القرآن دالاً على الله لا جزءاً من ذاته القديمة المجردة عن الصفات المعنوية المشابهة للمخلوقين.

ملاحظة تاريخية: تحولت هذه المسألة النظرية البحتة في زمن الخليفة المأمون ومن بعده المعتصم والواثق إلى قضية سياسية واختبار لعقائد العلماء، فيما عرف تاريخياً بـ "محنة خلق القرآن"، والتي ثبَت فيها الإمام أحمد بن حنبل بحزمٍ رافضاً القول بخلق القرآن، مما جعل القضية علامة فارقة في تاريخ الفكر الإسلامي.

هل ترغب في أن نستكمل في الجزء الثاني تفاصيل الصراع التاريخي وتطور "محنة خلق القرآن" وآراء الفلاسفة والمتكلمين المتأخرين مثل الأشاعرة؟

تفصيل عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الأمة التاريخي

المعنى الحقيقي لكلام الله

ذهب جمهور علماء أهل السنة والجماعة إلى أن القرآن الكريم كلام الله منزل غير مخلوق، صفة من صفات ذاته سبحانه وتعالى، تكلم به حقيقةً بلا كيف. فالله عز وجل لم يزل متكلماً إذا شاء وكيف شاء، وكلامه أزلي بحسب صفاته، ومرتبط بمشيئته وقدرته. وإن الحروف والأصوات التي نتلوا بها القرآن بألسنتنا، أو السطور المكتوبة في المصاحف، هي فعل العباد ومخلوقة، أما المتلو نفسه فهو كلام الله غير المخلوق.

محنة خلق القرآن وآثارها التاريخية

شهد التاريخ الإسلامي في العصر العباسي واحدة من أشد الفتن وأعظمها، وهي ما تُعرف بـ محنة خلق القرآن. فقد تبنى بعض الخلفاء كالمأمون والمعتصم والواثق رأي فرقة المعتزلة القائل بأن القرآن مخلوق، وفرضوا ذلك على العلماء والمحدثين بالقوة.

برز في هذه المحنة الإمام أحمد بن حنبل ثابتاً صابراً على الحق، ومعه كوكبة عظيمة من علماء الأمة الذين رفضوا الاستجابة لهذا القول رغم السجن والتعذيب. وظلت الفتنة قائمة حتى قيض الله الخليفة العباسي المتوكل على الله سنة 232 هـ, الذي أبطل تلك البدعة، وأعاد الاعتبار لعقيدة السلف الصالح، واستقر إجماع الأمة الإسلامية على أن القرآن كلام الله صفةً ووحياً، وأن الله أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هدايةً للعالمين.

هل القرآن الكريم مخلوق؟ - عثمان الخميس

هذا الفيديو يناقش تفاصيل عقيدة أهل السنة والجماعة في قضية خلق القرآن وكيف واجه العلماء هذه المسألة تاريخياً.