مقدمة تمهيدية

يغفل الكثيرون أحيانًا عن دقة الألفاظ العقدية والشرعية التي تُجرى على الألسنة، وربما تداول بعض الخطباء أو الكتاب عبارات صيغت بحسن نية لكنها قد تحمل محاذير شرعية أو توهم معاني غير لائقة بذات الله سبحانه وتعالى. ومن أبرز هذه التعبيرات الشائعة عبارة "على لسان الله" أو ما شابهها من إطلاقات.

فما هو الحكم الشرعي والضبط العقدي لهذه العبارة؟ وهل يجوز إطلاقها في سياق حكاية النصوص القرآنية أو الأحاديث القدسية؟ هذا ما سنفصله في هذه المقالة التحليلية المعمقة من منظور أهل السنة والجماعة، ضابطين القواعد المتعلقة بأسماء الله وصفاته.

أولاً: قاعدة توقيفية الأسماء والصفات

تعد قاعدة "التوقيف" في باب الأسماء والصفات هي الأصل الأصيل الذي تدور عليه رحى العقيدة الإسلامية. ومعنى التوقيف بوضوح هو أن الله سبحانه وتعالى لا يُصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه الكريم، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، نفياً أو إثباتاً.

  • غياب الدليل: لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة ما يثبت أن لله سبحانه وتعالى "لساناً" بالمعنى الجارحة أو العضو المعروف.

  • منهج السلف: بناءً على ذلك، لا يجوز لأحد أن يثبت لله صفة لم يثبتها لنفسه، كما لا يجوز نفي ما اثبته أو الخوض فيما سكت عنه الشرع بلا علم.

قاعدة ذهبية: "كل صفة أثبتها الله لنفسه أثبتناها بلا تمثيل، وكل صفة نفاها نفيناها بلا تعطيل، وما سكت عنه توقفنا فيه إثباتاً ونفياً."

ثانياً: تفكيك عبارة "على لسان الله" وتحليلها

عندما يطلق القائل عبارة "على لسان الله" - وغالباً ما يقصد المعنى المجازي كأن يقول: قال الله كذا على لسان كذا، أو يريد الإخبار عن كلامه - فإنه يقع في محذورين رئيسيين:

  1. إثبات ما لم يرد: نسبة لفظ "اللسان" إلى ذات الله عز وجل إثبات لصفة ذاتية أو جارحة لم ترد في النص الشريف، وهو قول بغير علم.

  2. الخلط التعبيري: إن كان المراد هو أن الله تعالى أوحى إلى نبيه أو حكاية كلام الأنبياء، فالصياغة الصحيحة تختلف تماماً عن نسبة اللسان إليه سبحانه.

وقد سئل جمع من أهل العلم الكبار عن هذه العبارة فأكدوا صراحةً عدم صحتها، لأنها تُحدث التباساً عقديّاً وتنسب إلى الله ما لم يأتِ به دليل صحيح.

ثالثاً: البديل الشرعي والأدب اللفظي في حكاية النصوص

حرصاً على السلامة العقدية والتعظيم الواجب لجلال الله جل وعلا، وضع العلماء عبارات بديلة دقيقة وأمينة تؤدي الغرض بلا محذور:

  • قول: "قال الله حاكياً عن كذا": كأن يقال: قال الله تعالى حاكياً عن إبراهيم أو موسى عليهما السلام، فهذا دقيق وأمين لغوياً وشرعياً.

  • نسبة التبليغ للرسول: يقال في السنة النبوية أو الأحاديث القدسية: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه"، وهي الصيغة المعتمدة عند المحدثين وأهل العلم.

هل ترغب في أن أستكمل لك الجزء الثاني من المقال الذي يناقش تفاصيل إضافية حول الفرق بين الألفاظ الاصطلاحية والشرعية؟