مقدمة في هضاب البيان القرآني

يُعدّ القرآن الكريم المعجزة الخالدة التي تحدّث بها الثقلان، وعجز عن مجاراتها فصحاء العرب وبغائهم. وحين يطرح الباحثون والدارسون تساؤلاً حول اللغات الموجودة في القرآن الكريم، فإنهم لا يعنون بذلك تعدد اللغات العالمية المختلفة كالفرنسية أو الإنكليزية أو الفارسية، بل يغوصون في أعماق اللسان العربي المبين، واكتشاف أسرار تنوعه اللهجي واللفظي، وكيف استطاع هذا الكتاب العزيز أن يجمع أفصح لغات القبائل العربية في قالب معجز متسق. إن فهم طبيعة اللغات واللهجات الواردة في القرآن الكريم يفتح أبواباً واسعة لمعرفة أسرار التشريع، ويُجلِي جانباً عظيماً من جوانب الإعجاز اللفظي والدلالي الذي خصّ الله به كتابه الحكيم.

لغة القرآن الأم: لسان قريش أم لغات العرب؟

تتفق الكلمة وتتوارد آراء جمهور العلماء والمحققين على أن الأصل الأساسي الذي نزل به القرآن الكريم هو لسان قريش والقبائل العربية الفصيحة المجاورة لها، بحكم نزول الوحي في مكة المكرمة وكون الرسول صلى الله عليه وسلم قرشياً. غير أن هذا لا يعني انغلاق القرآن على لهجة قبيلة واحدة بمعزل عن بقية العرب، بل امتد ليعكس ثراء البيئة اللغوية العربية بكافة أطيافها.

وقد أشار أئمة اللغة وعلماء التفسير إلى وجود ألفاظ وتراكيب توافق لغات قبائل عربية متعددة مثل:

  • هذيل وتميم: حيث وردت بعض الألفاظ والوجوه النحوية والصرفية التي توافق لهجاتهم.

  • هوازن وثقيف وكنانة: التي اشتهرت بخصائص صوتية معينة أقرها القرآن في سياق التيسير والتوسعة على الأمة.

  • قبائل اليمن وربيعة والأزد: التي تداخلت بعض ملامح أدائها اللفظي مع المفردات التراثية المشتركة في جزيرة العرب.

هذا التنوع الأصيل جعل القرآن الكريم مظلة لغوية كبرى احتضنت أفصح ما عند العرب، وخلّدت تراثهم اللساني في أبدع صورة وأرفعها بلاغة.

مفهوم "الأحرف السبعة" والتعدد اللغوي

لا يمكن الحديث عن لغات القرآن الكريم دون الوقوف مطولاً عند الحديث النبوي الشريف المتواتر في مسألة نزول القرآن على "سبعة أحرف". وقد شكل هذا الحديث مدار بحث واسع واختلاف محمود بين علماء السلف والخلف، إذ تجاوزت أقوالهم في تحديد المراد بالأحرف السبعة أكثر من ثلاثين قولاً، يرجع أكبرها وأرجحها إلى أن المراد بها: سبع لغات من لغات العرب الفصيحة.

وهذا يعني أنه في مواضع محددة، حيث تختلف القبائل العربية في التعبير عن المعنى الواحد بألفاظ متفرقة مع اتفاق المضمون، جاء القرآن الكريم منزلاً بألفاظ تتسع لهذه اللهجات المعتبرة، رحمةً بالأمة وتسهيلاً لقراءة الكتاب العزيز على ألسنة مختلفة لم تكن معتادة على لهجة واحدة صارمة.

الألفاظ المعربة والدخيلة في القرآن

من المسائل الدقيقة التي يثيرها الداروسون عند البحث في لغات القرآن الكريم؛ وجود بعض الكلمات التي تُسمى في اصطلاح المفسرين واللغويين بـ "الألفاظ المعرّبة" أو "الدخيلة". فهل يحتوي القرآن على لغات غير عربية؟

يوضح الجمهور الأعظم من علماء العربية أن هذه الكلمات —مثل: (سندس، إستبرق، مشكاة)— وإن كانت جذورها قد نشأت في لغات قديمة كالسريانية أو الفارسية أو الحبشية، إلا أنها خرجت عن أصلها الأجنبي بدخولها إلى اللسان العربي قبل نزول القرآن، حيث أخضعتها العرب لقواعدهم الصرفية، وعرّبوها ودرجوها في أشعارهم ومحاوراتهم حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من لغة العرب الفصحى. وحين نزل القرآن بها، فإنه خاطب العرب بما كانوا يعرفونه ويتداغلونه في فصيح كلامهم، وليس باعتبارها لغات أجنبية غريبة عن النص القرآني.