هل الله يتكلم عند الأشاعرة؟ (الجزء الأول: التأصيل والمفهوم)

تُعدّ قضية "كلام الله تعالى" واحدة من أهم وأدق المسائل العقدية في علم الكلام الإسلامي، والتي شغلت حيزاً واسعاً من النقاشات الفلسفية والعقدية بين مختلف المدارس الإسلامية عبر التاريخ. وعندما نتناول هذا الموضوع في مدرسة أهل السنة والجماعة ممثلةً في الإمام أبي الحسن الأشعري ومن تبعهم من علماء الأصول (الأشاعرة)، فإننا نجد أنفسنا أمام منظومة استدلالية محكمة ترمي إلى تنزيه الباري عز وجل عن عوارض الحدوث والنقص، مع إثبات الصفة بالمعنى الذي يليق بكماله وجلاله.

أولاً: التأسيس العقدي لمفهوم الكلام عند الأشاعرة

يؤكد الأشاعرة إجماعاً أن الله سبحانه وتعالى متكلم حقيقةً، وأن صفة الكلام صفة ذاتية أزلية قائمة بذاته سبحانه. وهم في ذلك يخالفون المدرسة الاعتزالية التي ذهبت إلى القول بأن كلام الله مخلوق ومنفصل عنه، كما يخالفون الجهمية الذين أنكروا الصفة أصلاً.

غير أن النقطة الجوهرية التي تفترق فيها مدرسة الأشاعرة عن غيرهم تكمن في تفريقهم الدقيق بين نوعين من الكلام:

  1. الكلام النفسي: وهو المعنى القائم بذات الله تعالى أزلاً وأبدًا، وهو الصفة الحقيقية التي لا تشبه كلام المخلوقين.

  2. الكلام اللفظي: وهو الحروف والأصوات المتعاقبة المخلوقة التي تدل على ذلك المعنى النفسي الأزلي.

ثانياً: مفهوم "الكلام النفسي" (الركيزة الكبرى)

يذهب الأشاعرة إلى أن الكلام في الأصل هو معنى قائم بالنفس يترجم عنه اللسان، مستشهدين بالأثر العربي الشهير المنسوب للأخطل:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

وعليه، فإن الله سبحانه وتعالى متكلم بكلام نفسي أزلي، ليس بحرف ولا صوت، إذ إن الحروف والأصوات أعراض حادثة، والحوادث لا تقم بذات الإله الواجب الوجود لكونها من علامات النقص والاحتياج. فكلامه تعالى بمعناه النفسي أمر واحد لا يتجزأ، وهو متضمن للأمر والنهي والخبر والاستخبار؛ فـ "الأمر" مثلاً في قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} يُحمل عندهم على هذا المعنى النفسي القديم الأزلي المتعلق بإرادة الإيجاد، لا بلفظ صوتي يحتاج إلى آلة أو مخرج.

ثالثاً: طبيعة القرآن الكريم وعلاقته بالكلام الإلهي

بناءً على هذا التأصيل، يفرق الأشاعرة بين القرآن باعتباره صفة قائمة بذات الله (الكلام النفسي) وبين المصحف المكتوب أو المقروء بألسنة البشر (الكلام اللفظي).

  • فالقرآن المعنوي الأزلي هو غير مخلوق لأنه صفة من صفات الذات الأزلية.

  • وأما الحروف والأصوات والمداد والأوراق التي نراها ونقرؤها بين دفتي المصحف، فهي مخلوقة ومحدثة باعتبارها أفعالاً للعباد أو مخلوقات لله خُلقت في الوجود لتدل على ذلك الكلام القديم.

وبهذا التفصيل، يرى الأشاعرة أنهم جمعوا بين تنزيه الخالق عن مشابهة المخلوقات (في نفي الحروف والأصوات والأعراض عنه سبحانه) وبين تعظيم القرآن وإثبات أنه كلام الله حقاً غير مخلوق في أصله المعنوي الأزلي.

هل ترغب في أن نستكمل في الجزء الثاني تفاصيل الأدلة العقلية والنقلية التي اعتمد عليها الأشاعرة لإثبات "الكلام النفسي" والرد على المخالفين؟