هل الإسلام دين قديم أم حديث؟ (الجزء الأول: الجذور والعموم التاريخي)
يُطرح هذا التساؤل غالباً عند محاولة فهم طبيعة الأديان وعلاقتها الزمنية بالتاريخ البشري. وللإجابة عن سؤال: "هل الإسلام قديم؟"، يجب أولاً تفكيك مصطلح "الإسلام" وتحديد الزاوية التي يُنظر من خلالها إليه؛ أهي الزاوية اللغوية والاصطلاحية الشاملة، أم الزاوية التاريخية المرتبطة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في القرن السابع الميلادي؟
1. المعنى اللغوي والاصطلاحي الشامل
في اللغة العربية، يُشتق مسمى "الإسلام" من الاستسلام والخضوع المطلق، والدخول في السلم والأمان، وهو تعبير مجرد عن غاية العقل البشري في التوجيه نحو الخالق بالتوحيد والتنزيه.
وفق هذا المنظور الشامل، فإن الإسلام ليس وليد القرن السابع الميلادي ولا يقتصر على أمة محمد وحدها، بل هو المضمون الأساسي لكل الرسالات السماوية التي نزل بها الأنبياء والمرسلون جميعاً من لدن آدم عليه السلام ومروراً بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. فجميع هؤلاء الأنبياء دعوا إلى دين واحد في جوهره وهو توحيد الله وترك الشرك، وإن تباعدت أزمانهم واختلفت تفاصيل شرائعهم الفرعية.
2. وحدة الرسالات الإلهية وجوهرها التوحيدي
يؤكد الخطاب القرآني صراحةً هذه الحقيقة التاريخية الكبرى؛ فالأنبياء السابقون وصفوا أنفسهم ومن تبعهم بالإسلام والاستسلام لله.
من هذا الحين، يتضح أن الإسلام بمعناه الأوسع والأعمق هو الدين الخالد للبشرية الذي ارتضاه الله تعالى منذ فجر التاريخ الإنساني. العقيدة ثابتة لا تتغير، وتتمثل في الإيمان بالله، وملائكته، كتبه، رسله، واليوم الآخر.
3. الفرق بين الدين والشرعة والمنهاج
لتوضيح إشكالية القدم والحدثة بصورة دقيقة، يفرق الفكر الإسلامي وعلم العقيدة بين مفهومين أساسيين:
الدين (العقيدة والتوحيد): وهو ثابت لا يتغير ولا يتبدل منذ آدم وحتى خاتم المرسلين. وهو الإسلام الشامل بمعنى الإخلاص والخضوع لله.
الشرعة أو المنهاج (الأحكام العملية والتفصيلية): وهي المتغيرات المرتبطة بطبيعة الأزمنة ومراحل تطور البشرية واحتياجات المجتمعات المختلفة.
يقول الله تعالى في القرآن الكريم: {لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}.
وعليه، فإن الشرايع السابقة كانت تناسب مراحل نمو المجتمع البشري في طفولته وبداياته، بينما جاء الإسلام بشريعته الخاتمة على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليناسب نضج البشرية واكتمال وعيها التاريخي، ليكون صالحاً لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة.
هل تود أن نتابع في الجزء الثاني لنناقش تفصيلات نشأة الشريعة الإسلامية الخاتمة وكيف تكاملت مع هذا المفهوم التاريخي الواسع؟
خاتمة مقال: وحدة الرسالات واستمراريتها التاريخية
وحدة الجوهر وتعدد الشرائع
عندما نتناول السؤال الجوهري "هل الإسلام قديم؟" من منظور تحليلي شامل، يتضح لنا جلياً أن التفريق بين مفهوم "الدين" بمناهج العقيدة ومفهوم "الشرعة والمنهاج" يزيل الكثير من اللبس الفكري. فالدين عند الله واحد لا يتجزأ، وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، وهو ذاته المضمون الذي حملته رسالات الأنبياء جميعاً من آدم عليه السلام مرورا بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وصولاً إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.
الجانب العقدي الثابت: يتمثل في توحيد الله سبحانه وتعالى، والإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، وهو أمر لم يتغير ولم يتبدل في دعوة أي نبي.
الجانب التشريعي المتطور: يكمن في الأحكام الفرعية والتشريعات العملية (الشرائع) التي كانت تتناسب مع طبيعة كل مرحلة زمنية وحاجة الأمم السابقة حتى بلغت الإنسانية رشدها بالرسالة الخاتمة.
الإسلام الخاتم: تجديد الجذور واستمرار الرسالة
بهذا المعنى الواسع والعميق، فإن الإسلام ليس ديناً طارئاً أو حديث الولادة ظهر قبل قرون معدودة، بل هو امتداد طبيعي وعريق لأقدم رسالة عرفتها البشرية على وجه الأرض. وما نزول القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلا حلقة الإتمام والتتويج لسلسلة النبوات الطويلة، حيث جاء مهيمناً ومؤكداً لما سبق من الحق، ومصححاً لما طال الكتب الإلهية من تحريف أو تبديل.
"إن وصف الإسلام بالقدم من حيث الجوهر والرسالة العامة يمنحه عمقاً تاريخياً يربط الإنسان بأول الخليقة، ويضع الإنسان المسلم أمام مسؤولية حضارية وأخلاقية كبرى."
دلالات الفهم الصحيح لتاريخ الأديان
ترسيخ مبدأ الأخوة الإنسانية والدينية: إن الإيمان بأن الأنبياء جميعاً جاؤوا بدين واحد يعزز من أواصر التقارب والتقدير المشترك لرسالات السماء.
الجمع بين الأصالة والمعاصرة: الإسلام بقداسة أصوله وثبات قيمه قادر على استيعاب مستجدات العصر الحديث، لأنه يحمل بذور الخلود وصلاحية التطبيق في كل زمان ومكان.
تجاوز المفاهيم القاصرة: إن حصر عمر الإسلام في الفترات الزمنية للتدوين التاريخي العربي فحسب يُعد قراءة ناقصة لتاريخ الفكر الديني الإنساني.
وفي الختام، يظل الإسلام هو التعبير الأبدي عن العلاقة السليمة بين الخالق والمخلوق، بدأت رحلته مع بدء البشرية وبلغ كماله الأبدي في الرسالة المحمدية الشاملة.
هل ترغب في أن نقوم بتوسيع نقطة معينة تتعلق بمفهوم "الدين الواحد والشرائع المتعددة" في هذا المقال؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.