مقدمة تمهيدية حول عناية المسلمة بالقرآن في كل الظروف

تحرص المرأة المسلمة دائماً على الارتباط الوثيق بكتاب الله عز وجل، وتلاوة آياته آناء الليل وأطراف النهار، لما في ذلك من طمأنينة للقلب وانشراح للصبر. وتُعد سورة البقرة بشكل خاص درةً مباركة، يحرص الكثيرون على قراءتها لما لها من فضل عظيم وبركة واسعة في البيت والنفس.

ولكن، قد تواجه المرأة أحكاماً شرعية تتعلق بحالات عذرية طبيعية، مثل فترة الحيض، مما يثير تساؤلات ملحة حول مشروعية مواصلة قراءة وردها القرأني اليومي، وخاصة سوراً طويلة مثل سورة البقرة. في هذا الجزء الأول من المقال، سنستعرض بعمق الإطار العام لهذه المسألة الفقهية، مع تفصيل آراء العلماء والتوجهات التيسيرية المعتمدة لرفع الحرج عن المرأة المسلمة.

الموقف الفقهي العام من قراءة القرآن للحائض

اختلفت آراء فقهاء الشريعة الإسلامية في حكم قراءة الحائض للقرآن الكريم، وتوزعت بين آراء مشددة تمنع القراءة منعاً باتاً قياساً على الجنب، وآراء أخرى مرنة تجيز لها القراءة لحاجة أو لمنع نسيان العلم، بينما ذهب بعض المحققين إلى جواز القراءة مطلقاً لعدم وجود نص صريح صحيح مانع يحرم على الحائض ذكر الله وتلاوة كتابه.

  • مذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة): يرى جمهور الفقهاء أنه لا يحق للحائض تلاوة القرآن الكريم من المصحف أو غيباً، استناداً لبعض الأحاديث الواردة في هذا الباب، وذلك لحين تطهرها بغسل الحيض.

  • رواية المالكية وبعض السلف: رخّصوا للمعلمة والمتعلمة والحائض التي تخشى نسيان حفظها للقرآن بالقراءة قدر الحاجة.

  • مذهب الإمام مالك وجماعة من أهل العلم (كابن تيمية وغيره): اختاروا جواز قراءة الحائض للقرآن إن كانت لحاجة ماسة، أو خوف نسيان، أو للاستشفاء والتحصين، لعدم ورود نهي صريح صحيح وثابت وثريح يمنع الحائض وحدها من القراءة قياساً مطرداً معتدّاً به.

الخصوصية الثابتة لسورة البقرة وفضلها العظيم

تكتسب سورة البقرة مكانة فريدة في قلوب المسلمين، نظراً لما ثبت في السنة النبوية الصحيحة من فضائل عظيمة تتعلق بها. فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأتي يَومَ القِيامَةِ شَفيعاً لأَصْحابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْراوَيْنِ البَقَرَةَ وسُورَةَ آلِ عِمْرانَ، فإنَّهُما تَأْتِيانِ يَومَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ كَأنَّهُما غَيايَتانِ، أوْ كَأنَّهُما فِرْقانِ مِنْ طَيْرٍ صَوافَّ، تُحاجّانِ عَنْ أَصْحابِهِما».

كما اشتهرت السورة بقدرتها على جلب البركة وطرد الشياطين من البيوت، حيث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشياطين تنفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». ومن هنا يأتي حرص الكثير من الفتيات والنساء على عدم انقطاع هذا الخير، حتى في أيام الحيض والنفاس.

الأخذ بالريسر وتسهيل العبادة في الفقه المعاصر

أفتى عدد كبير من العلماء المعاصرين ودار الإفتاء في عدة دول إسلامية بالأخذ بالرأي القائل بجواز قراءة القرآن للحائض، لا سيما إن كان ذلك بقصد الرقية الشرعية، أو الذكر والدعاء، أو مراجعة الحفظ خشية التفلت والنسيان.

وتُعتبر الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية نافذة فقهية مهمة في هذا السياق؛ إذ يرى المعاصرون أن القراءة من الشاشات الإلكترونية لا تأخذ حكم مس المصحف الورقي المباشر، مما يسهل على الحائض تصفح الآيات وقراءتها دون الوقع في حرج مس المصحف بغير طهارة كبرى.

ملحوظة توجيهية: إذا أرادت المرأة الحائض قراءة سورة البقرة تبركاً أو تحصيناً، وتأثراً بالأجواء الإيمانية، فيمكنها تتبع الأقوال الفقهية المعتمدة التي ترفع عنها الحرج، خاصة إذا كانت تخشى انقطع وردها اليومي أو ضعف حفظها المتراكم طوال أشهر السنة.

هل ترغب في أن نستكمل معاً الجزء الثاني من المقال لتفصيل الأدلة بشكل أوسع والحلول العملية للحائض التي تريد قراءة السورة من الهاتف؟