مقدمة إشكالية الطهارة والقرآن

يُعَدُّ موضوع طهارة المرأة ومسِّها للقرآن الكريم من المسائل الفقهية الحساسة التي تهم قطاعاً عريضاً من المسلمات اللاتي يسعين للالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية في حياتهن اليومية، وخاصة فيما يتعلق بتلاوة كتاب الله تعالى، وحفظه، ومراجعته. وتبرز الإشكالية تحديداً في حالات الحدث الأصغر (انتقاض الوضوء) والحدث الأكبر (كالحيض والنفاس والجنابة)، حيث تتباين الأحكام وتتعدد تفريعات المذاهب الفقهية المعتمدة.

إن تعظيم كلام الله عز وجل والاحتفاء بمكانته العلية هو الأصل الذي تنطلق منه الأحكام الشرعية، غير أن الشريعة الإسلامية راعَت طبيعة الأحوال البشرية، ووضعت ضوابط دقيقة تحكم العلاقة بين المكلف والمصحف الشريف. وفي هذا المقال، نسلط الضوء على تفاصيل هذه المسألة وفق ما تقرره المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة)، لبيان المتفق عليه والمختلف فيه بدقة وموضوعية.

الاتفاق العام بين المذاهب الأربعة (الإجماع على أصل المنع)

يُجمع فقهاء المذاهب الأربعة المعتبوعة (الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل) على تحريم مسِّ المصحف لمن كان على غير طهارة، سواء أكان ذلك عن حدث أصغر (فقدان الوضوء) أم عن حدث أكبر (كالجنب والحائض والنفساء).

ويستند جمهور الفقهاء في هذا الحكم المتفق عليه إلى أدلة شرعية واضحة، من أبرزها:

  • الآية الكريمة: قول الله تعالى في سورة الواقعة: (الواقعة: 79).

  • الحديث الشريف: ما روي عن عمرو بن حزم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه إلى أهل اليمن: "أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، وهو الحديث الذي تلقته الأمة بالقبول واحتج به الأئمة الأربعة وأصحاب النبي من بعده.

وعليه، فإن القاعدة العامة المستقرة عند جمهور الفقهاء هي أن المرأة إذا كانت في حالة غير طاهرة (سواء بفقدان الوضوء أو بوجود عذر شرعي كالحيض والنفاس)، فإنه يحرم عليها لمس المصحف الورقي بشكل مباشر، حفاظاً على قدسية كلام الله وتوقيراً له.

تفاصيل مذهب الحنفية في مس المرأة للمصحف وهي غير طاهر

يذهب السادة الحنفية إلى أنه يحرم على المحدث (سواء حدثاً أصغر أو أكبر، كالحائض والنفساء والجنب) مسُّ المصحف، ولا يُستثنى من ذلك إلا ما كان لحضر الضرورة التعليمية في بعض الصور الضيقة.

  • حكم مس المصحف بلا حائل: يرى الحنفية أنه لا يجوز للمرأة الحائض أو النفساء أو المحدثة مس أوراق المصحف أو جلده المتصل به بجلدها مباشرة.

  • مس المصحف بحائل منفصل: يجوز للمرأة غير الطاهرة أن تمس المصحف من خلال حائل منفصل عنه، كأن تستخدم قفازين، أو تمسكه بثجيل أو غلاف طاهر غير ملتصق بالمصحف التباساً وملاصقة تامة، لأن الحائل يمنع تحقق مس المصحف حقيقة.

هل ترغب في أن أستكمل لك تفاصيل بقية المذاهب الأربعة (المالكية والشافعية والحنابلة) واستثناءات كل مذهب في الجزء الثاني من المقال؟

استثناءات وحلول عملية للمرأة الحائض

التفصيل في المس بحائل

اتفقت المذاهب الأربعة على أن الحائض يحرم عليها مس المصحف مباشرة بشرتها. غير أن الفقهاء اختلفوا في حكم مسه بواسطة حائل منفصل كالكيس أو الكم:

  • الحنفية والحنابلة: أجازوا للمحدث والحائض مس المصحف إذا كان من خلال حائل منفصل لا يتبعه في البيع (مثل ارتداء قفازات، أو حمله بكيس، أو التقليبة بعود ونحوه)، لأن النهي ورد عن مس المصحف نفسه والمس هنا وقع على الحائل.

  • المالكية والشافعية: منعوا مس المصحف مطلقاً ولو كان بحائل متصل أو منفصل، احتياطاً وتعظيماً لكتاب الله، إلا ما استثنته مذهب مالك للمعلمة والمتعلمة خشية النسيان.

القراءة من الهواتف والأجهزة الذكية

ظهرت في العصر الحديث نوازل فقهية أجمع المعاصرون على جواز قراءة الحائض للقرآن الكريم من خلالها (كالـهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية والشاشات)، والسبب في ذلك أن الشاشات الإلكترونية لا تأخذ حكم المصحف الورقي؛ لأن الكلمات القرآنية فيها تظهر وتختفي بتغير الإضاءة والنبضات الرقمية ولا تعد مصحفاً ثابتاً، مما يسهل على المرأة المراجعة والحفظ دون حرج.

آراء عند الحاجة الشاسة والضرورة

ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وجمع من المحققين إلى جواز مس الحائض للمصحف أو القراءة منه في حال الحاجة الملحة والضرورة التعليمية أو الخوف من نسيان الحفظ، لعدم وجود نص قطعي صحيح يمنع الحائض خصوصاً من القراءة المستمرة مدة طويلة.

خلاصة القول: إن تعظيم كتاب الله تعالى هو المقصد الشرعي الأساسي الذي دارت حوله أحكام المذاهب الأربعة، مع تيسير الشريعة الإسلامية الدائم لكل ما يدفع الحرج عن المرأة في أحوال عذرها.

هل ترغبين في معرفة الحكم التفصيلي لقراءة الحائض للقرآن عن ظهر قلب دون مس المصحف؟