تعتبر دراسة الأحكام المتعلقة بالمرأة المسلمة، ولا سيما ما يتصل بالطهارة والنجاسات، من أهم الموضوعات الفقهية التي تحتاج إلى عناية وفهم دقيق مستمد من الكتاب والسنة. ويأتي موضوع "دم الحيض" في مقدمة هذه المسائل نظراً لترتب الكثير من الأحكام التعبدية عليه، كالصلاة والصيام وغيرها. وفي هذا الجزء الأول من المقال، سنقف بتمعن عند المفهوم الفقهي والشرعي لدم الحيض، مع بيان الاتجاهات الفقهية الكبرى والأدلة الشرعية المرتبطة بطبيعته من حيث النجاسة أو الطهارة.

أولاً: مفهوم دم الحيض لغةً وشرعاً

  • اللغة: الحيض في اللغة العربية هو السيلان، يقال حاضت الشجرة أي سال صمغها، وحاض الوادي أي سيل الماء فيه.

  • الشرع: هو دم طبيعي وجبلة يخرج من قعر رحم المرأة في أوقات معلومة من غير سبَبِ مرض أو ولادة، وله خصائص معروفة تميزه عن دم الاستحاضة ودم الجروح.

ثانياً: الاتجاه الفقهي في حكم دم الحيض (نجس أم طاهر؟)

اتفق جمهور الفقهاء من الأئمة الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) على أن دم الحيض دم نجس، وهو ما استقرت عليه الفتوى في دار الإفتاء المصرية وجميع المجامع الفقهية المعاصرة. وقد استدل العلماء على ذلك بأدلة صريحة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة:

قال الله تعالى في سورة البقرة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}.

فقد سمي الحيض في الآية الكريمة بأنه "أذى"، والأذى هنا محمول على النجاسة والقذر المعنوي والحسي الذي يوجب الاحتراز والتنزه.

الدليل من السنة النبوية المشرفة

وردت أحاديث صحيحة عديدة تبين كيفية التعامل مع الثوب الذي يصيبه دم الحيض، ومن أشهرها ما ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال:

"تحته ثم تقرصُه بالماء، ثم تنضحُه، ثم تصلي فيه".

ووجه الدلالة هنا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله، وتوظيف وسائل الإزالة (كالقرص بالماء والنضح)، دليل قاطع على نجاسته، إذ لو كان طاهراً لم يجب غسله بهذه الكيفية.

ثالثاً: التفريق بين نجاسة الدم وبدن الحائض

مما يهم تقريره في هذا المقام، والذي يقع فيه خلط عند البعض، هو التفريق بين نجاسة "الدم الخارج" وبين "بدن المرأة الحائض وعرقها وسائر جسدها".

  • نجاسة العين: دم الحيض بحد ذاته نجس عيناً.

  • طهارة البدن: بدن المرأة الحائض طاهر بجميع أجزائه، وكذلك عرقها وريقها ولعابها لا يتنجس بحيضها. وقد دل على ذلك ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مع نسائه وهن حائض؛ حيث كان يتكئ في حجر إحت它们的 وهي حائض، وربما شرب من موضع فمها وهي حائض، مما يؤكد أن الذات الإنسانية للمرأة تظل طاهرة ومكرمة حتى في حال حيضها.

هل ترغب في أن ننتقل إلى الجزء الثاني لاستكمال تفاصيل الأحكام المتعلقة بآثار هذا الدم على الملابس والأبدان وطرق التطهر منها؟