مقدمة تمهيدية وأهمية الموضوع
يشغل موضوع الرقية الشرعية والأحكام المتعلقة بها ذهن الكثير من المسلمين والمسلمات، ولا سيما فيما يختص بالاستحمام أو الاغتسال بالماء المقروء عليه آيات القرآن الكريم والأدعية النبوية.
يأتي هذا البحث ليوضح بصورة مفصلة الحكم الشرعي الدقيق لاستحمام الحائض بماء مقروء عليه، مسلطاً الضوء على آراء الفقهاء وأدلتهم، مع بيان الضوابط التي يجب مراعاتها لضمان التعامل باحترام وتوقير لكلام الله تعالى.
الموقف الفقهي العام: جواز الاغتسال بماء الرقية للحائض
تفق الفتوى المعتمدة لدى دور الإفتاء ومجالس البحوث الإسلامية (مثل إسلام ويب ودار الإفتاء المصرية) على أنه لا مانع شرعاً من اغتسال المرأة الحائض بماء الرقية الشرعية.
طبيعة الماء المقروء عليه:
يُعد هذا الماء طاهراً ومباركاً، ولا يأخذ حكم مصحف القرآن الكريم من حيث حرمة اللمس لغير الطاهر؛ إذ إن الحروف والكلمات القرآنية قد ذابت وبركتها سارية في الماء، ولذلك يجوز للمرأة الحائض أو الجنب مسه أو الاغتسال به دون حرج. رفع الحرج عن الحائض:
إن الحيض عذر شرعي يمنع المرأة من الصلاة والصيام وقراءة القرآن بالطريقة المعتادة (على قول الجمهور)، ولكنه لا يسلبها أهليتها للاستشفاء بالقرآن والتداوي به، فالعلاقة بين الاستشفاء والحيض ليست محظورة شرعاً.
الأدلة والتعليل الفقهي
استند العلماء في إباحة هذا الفعل إلى عدة أسس أصلية في الفقه الإسلامي:
عدم وجود نص مانع:
الأصل في الأشياء الإباحة، ولم يرد في الكتاب أو السنة ما يمنع الحائض من التداوي بالماء المقروء عليه، وما لم يثبت تحريمه بنص صحيح صريح فهو مباح. الفرق بين تلاوة القرآن ومس الماء: وإن كانت الحائض تمنع من تلاوة القرآن الكريم باللسان على الراجح عند جمهور الفقهاء (إلا لضرورة أو تعليم)، فإن الاغتسال بالماء الذي قُريء فيه لا يعد تلاوة لفظية حسية يصدرها لسانها، بل هو انتفاع ببركة القرآن وآياته للاستشفاء.
"لا نعلم مانعاً شرعياً من الاغتسال بماء الرقية الشرعية على غير طهارة، لأن هذا الماء ليس قرآناً حتى نمنع الحائض وغير الطاهر من مسه."
— من فتاوى إسلام ويب
الضوابط والآداب الواجب مراعاتها
حتى يتم الاغتسال بالماء المقروء عليه على الوجه الشرعي السليم ودون إهانة لكلام الله عز وجل، وضع العلماء بعض التوجيهات والاحتياطات الضرورية التي سيتم تفصيلها في الجزء الثاني من هذا المقال، ومن أبرزها اجتناب مواضع الأقذار والأماكن غير الطاهرة التي تذهب بكرامة الماء المقروء.
آداب ومحاذير هامة عند استخدام الماء المقروء عليه أثناء الحيض
استكمالاً لما سبق بيانه حول جواز الاغتسال بالماء المقروء عليه للـمرأة الحائض، توجد مجموعة من الضوابط والأداب المرعية التي يجب مراعاتها لضمان حفظ كلام الله تعالى من أي امتهان، والانتفاع التام بالرقية الشرعية في الوقت ذاته.
1. احترام مكان الصرف وعدم الامتهان
عند استخدام الماء المقروء عليه للاغتسال، ينبغي التحفظ قدر الإمكان من سكب الماء المستعمل في أماكن غير طاهرة أو مهملة بصورة تسيء لآيات الله التي لامست الماء. يفضل دائماً الاغتسال في مكان طاهر، أو سكب الماء في حديقة منزلية، أو في حوض متصل مباشرة بشبكة الصرف الصحي النظيفة بعيداً عن مواضع الأقذار، تفادياً لأي امتهان غير مقصد لكلام الله عز وجل.
2. الفرق بين الشرب والاغتسال والمس
الاغتسال والشرب:
أكد أهل العلم وعلي رأسهم الإمام ابن عثيمين رحمه الله أن الحائض يجوز لها أن تشرب أو تغتسل بالماء أو تستخدم الزيوت المقروء عليها للترطيب أو العلاج دون حرج. فالماء المحول إليه أثر القراءة لا يأخذ حكم المصحف الوردي من حيث حرمة اللمس للمحدث حدثاً أكبر. مس المصحف:
يبقى الحكم المتعلق بحرمة مس المصحف الشريف مباشرًا على حاله بالنسبة للحائض، إلا إذا كان لضرورة التعليم أو القراءة المعتبرة بضوابطها الفقهية الخاصة.
3. اليقين وحسن الظن بالله
يجب أن ترتبط هذه الأسباب الشرعية بيقين تام بأن الشفاء بيد الله وحده، وأن الرقية والماء المقروء عليه ما هي إلا أسباب مباركة للتداوي والعلاج من العين أو الحسد أو السحر أو الابتلاءات الروحية والنفسية، مع أهمية المداومة على الأذكار اليومية وتحصين النفس بالاستغفار والدعاء.
خلاصة القول: إن الشرع الإسلامي مبني على اليسر ودفع الحرج، ولا توجد قيود تعسفية تمنع المسلمة من طلب الاستشفاء وقت حيضها، شريطة الالتزام بتوقير شعائر الله وحفظها من التقصير أو الإهانة غير المتعمدة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.