مقدمة في التوحيد والصفات
يُعدّ مبحث الصفات الإلهية واحداً من أهم وأدق المباحث العقدية في الفكر الإسلامي عامة، وعند مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) خاصة.
القاعدة الأساسية: "ليس كمثله شيء"
تنطلق المدرسة الشيعية في فهمها لصفات الله سبحانه وتعالى من المحكم القرآني العظيم:
التقسيم الأساسي لصفات الله تعالى
ينقسم البحث في صفات الباري عز وجل عند علماء الإمامية (مثل العلامة الحلي والشيخ المفيد وغيرهما) إلى قسمين رئيسيين يتبلوران في الآتي:
1. الصفات السلبية (صفات الجلال والتنزيه)
وهي الصفات التي يُجلّ الله سبحانه وتعالى عن الاتصاف بها، لأنها توحي بالنقص أو العجز أو الاحتياج.
سُميت "سلبيّة" لأنها تسلب وتنفي عن الله كل نقص، كالجسمية، والتركيب، والحلول، والاتحاد، والمكان، والزمان، والرؤية البصرية بالعين المجردة في الدنيا والآخرة.
تهدف هذه الصفات إلى حماية عقيدة التوحيد من الوقوع في شرك التشبيه (مقارنة الخالق بالمخلوق) أو التعطيل (إنكار صفات الكمال تماماً).
2. الصفات الثبوتية (صفات الجمال والكمال)
وهي الصفات الحقيقية التي تثبت لله عز وجل وتدل على كماله المطلق.
تشمل صفات ذاتية كالعلم، والقدرة، والحياة، والأزلية، وهي عين الذات الإلهية وليست زائدة عليها وجودياً عند الإمامية.
تشمل كذلك صفات فعلية كالخلق، والرزق، والإرادة، وهي منتزعة من مقام الأفعال الإلهية الصادرة عنه.
نقطة جوهرية: تؤكد النصوص الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن صفات الذات الإلهية (كالعلم والقدرة) ليست شيئاً مضافاً أو مركباً فوق الذات، بل هي الذات نفسها بحقيقة كمالها البسيط والمنزه عن كل كثرة.
هل تود الاستفاضة في تفاصيل "الصفات السلبية وتطبيقاتها العقدية" في الجزء القادم من المقال؟
التوحيد الصفاتي وعينيتها للذات
خلافاً لمن ذهب إلى زيادة الصفات على الذات, استقر المنهج العقدي عند علماء الإمامية على أن صفات الله تعالى الثبوتية الكمالية (كالعلم، القدرة، والحياة) هي عين ذاته المقدسة وليست أموراً زائدة عليها أو منضمة إليها.
المعنى الحقيقي للعينّية:
لا يقصد بالعينية هنا الاتحاد بمعناه المادي، بل يُراد بها أن وجود الذات الإلهية هو عين وجود الصفات، فليس هناك ذات خالية عن الصفات ثم اكتسبتها، بل ذاته البسيطة المطلقة واجدة لكل الكمالات بمرتبة أعلى وأخلص. بساطة الذات المطلقة:
لو فرضنا أن الصفات زائدة على الذات ومغايرة لها، لافتقرت الذات إليها في كمالها، ولزم من ذلك التركيب والإمكان، وهما محالان على واجب الوجود الذي تنزه عن كل نقص وحاجة.
صفات الذات مقابل صفات الفعل
ينقسم التجلّي الإلهي للصفات في المدرسة الإمامية إلى قسمين رئيسيين يوضحان بدقة مرتبة الأفعال والآثار:
صفات الذات (الصفات الحقيقية):
وهي التي لا يحتاج في اتصاف الباري بها إلى ملاحظة أمر خارج عن ذاته، مثل العلم والحياة والقدرة. فهذه الصفات أزلية أبدية لا تفارق الذات الإلهية بحال من الأحوال. صفات الفعل (الصفات الإضافية أو الانتزاعية):
وهي التي تُنتزع من مقام فعل الله تعالى وتأثيره في الخارج، مثل الخالق، الرازق، والمحيي والمميت. هذه الصفات حادثة بحدوث متعلقاتها، بمعنى أن الله تعالى يُوصف بأنه "خالق" أو "رازق" بعد تحقق الخلق والرزق في الخارج، وليست صفات الفعل قديمة بقدم الذات.
الخاتمة وخلاصة التنزيه
في الختام، تتلخص العقيدة الإسلامية الشيعية في باب الصفات بأصل جامع ومحكم مستوحى من مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهو الجمع بين الإثبات والتنزيه؛ إثبات كافة صفات الجمال والكمال المطلق لله سبحانه وتعالى، مع التنزيه المطلق عن التشبيه والتجسيم والتركيب.
هل ترغب في التعرف على تفاصيل إضافية حول الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل بالأمثلة القرآنية؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.