مقدمة في التوحيد والتنزيه

يُعدّ مباحث الأسماء والصفات الإلهية واحداً من أهم وأدق المباحث العقدية في الفكر الإسلامي، نظراً لتعلقه المباشر بمعرفة الخالق جلّ جلاله وتنزيهه عن كل نقص أو تشبيه. وفي المدرسة الكلامية الإمامية (الشيعة الاثنا عشرية)، يُبنى التصور العقدي على أصل محكم وهو التوحيد الخالص والتنزيه المطلق للذات الإلهية عن أعراض المخلوقين وسمات الجسمانية، استناداً إلى الآية الكريمة: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}. ومن هنا تبرز إشكالية الألفاظ الواردة في النصوص الشرعية (القرآن الكريم والأحاديث الشريفة) التي ظاهرها إثبات بعض الجوارح أو الجهات، مثل "العين" و"اليد" و"الوجه"، وكيفية التعامل معها عقلياً ونقلياً.

المنهج العام للمدرسة الإمامية في نفي التشبيه

تتبنى المدرسة الإمامية، تبعاً لأئمة أهل البيت عليهم السلام، منهجاً صارماً في نفي التشبيه والجسم والأعراض عن الله سبحانه وتعالى. فالإمامية تؤكد اتفاقاً قاطعاً أن الله تعالى:

  • ليس بجسم، ولا يمتلك صورة أو حيزاً أو مكاناً.

  • لا ترتسم فيه صفات المخلوقين من حدوث أو تغير أو تركيب.

  • يرفضون رفضاً تاماً التفسير الحرفي أو المادي للظواهر النصية التي توحي بالجارحة.

وفي هذا السياق، يقرر علماء الكلام عند الإمامية أن كل ما ورد في النصوص من تعبيرات ظاهرها التجسيم، يجب تأويله بالمعايير اللغوية العربية الصحيحة وبما يتناسب مع جلال الذات الإلهية، أو تفويض كنهها إليه تعالى مع القطع باستحالة المعنى المادي الجسماني.

تفسير الآيات والنصوص المتعلقة بلفظ "العين"

عند التطرق إلى النصوص القرآنية التي ورد فيها لفظ العين مفردة أو جمعاً، مثل قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} أو {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، تذهب التفسيرية الإمامية إلى معانٍ بلاغية ومجازية عميقة تبتعد تماماً عن العضو المادي المحسوس:

  1. الرعاية والحفظ والكلأ: يُفسر العلماء "بأعيننا" أو "على عيني" هنا بمعنى الحفظ الإلهي التام، والرعاية المستمرة، والعناية الخاصة التي يحوط بها الباري سبحانه رسله وأولياءه، وكأنهم في مرأى منه وتحت تدبيره الدائم.

  2. العلم والإحاطة البصرية المطلقة: يُقصد بها كشف المعلومات ورؤية الأشياء بلا توقف على جارحة أو أداة بصرية، فبصره سبحانه هو عين ذاته وليس صفة زائدة مركبة من أدوات مادية كالحدقة والأجفان التي تخص المخلوقين.

ملاحظة عقدية: يرى محققو الإمامية أن إثبات صفة "البصر" لله عز وجل يكون بمعزل عن إثبات آلات الرؤية، فالله بصير بلا عين، سميع بلا أذن، وعالم بلا علم مستفاد، لأن صفاته عين ذاته.

الروايات الواردة عن أهل البيت وتوجيهاتها

وردت نصوص وروايّات متفرقة في كتب الحديث المعتبرة لدى الشيعة (مثل الكافي للشيخ الكليني والتوحيد للشيخ الصدوق) تناقش هذه المفاهيم بدقة بالغة. فعندما سُئل الأئمة عن معاني مفاهيم مثل "وجه الله" و"عين الله"، جاءت الأجوبة لتؤكد المعاني الرمزية والكنائية أو المعاني الولائية المرتبطة بالحجج الإلهية في مقامات خاصة، نافيةً أي احتمال للتجسيم أو التبعيض الإلهي.

  • هل تود أن نتابع في الجزء الثاني من هذا المقال لاستعراض الأدلة الفلسفية والنصية التفصيلية التي تسوقها الحوزة العلمية لإثبات "عينية الصفات للذات" ومناقشة تفاصيل التأويل الكلامي؟

الخاتمة وموقف علماء الإمامية من النصوص المتشابهة

منهج التأويل في تفسير النصوص

يذهب علماء الشيعة الإمامية في التعامل مع الآيات والروايات التي ظاهرها التجسيم أو إثبات الجوارح — مثل النصوص الواردة في العين أو اليد — إلى اعتماد منهج التأويل العقلي والنقلي. فعند ورد لفظ "العين" في النصوص القرآنية كقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، يفسرها المحققون بأنها كناية عن الرعاية الإلهية، والحفظ، والعلم الدقيق بالمخلوقات، وليست جارحة مادية تعتمد على الحدقة أو النور.

النزاهة عن التركيب والجوارح

تؤكد الأدبيات الكلامية عند الإمامية بوضوح أن الذات الإلهية منزهة عن التركيب والتجزيء. وبناءً على القواعد المسلمة عندهم بأن صفات الله الذاتية هي عين ذاته، فإن إثبات جارحة أو عضوة، كالعين بالمعنى الحسي، يوجب استدراج الخالق إلى حيز الممكنات والمخلوقات، وهو ما ينافي صريح الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.

  • خلاصة الاعتقاد: تنزيه مطلق لله عن الجسمية والحدود.

  • معنى النصوص: حمل الألفاظ الظاهرة على المجاز اللغوي أو الكناية عن العناية والتدبير.

"إنّ الله تعالى أرفع وأعظم من أن تُحيط به الأوصاف البدنية أو تُخصصّه الجوارح والأدوات."

هل ترغب في التعرف على المزيد حول تفاصيل تفسير صفات المعاني والفعال في المذهب الجعفري؟

القرآن يثبت أن صفات الله عين ذاته

هذا الفيديو يناقش بعمق الأدلة المنهجية والعقائدية حول كيفية فهم صفات الباري سبحانه وتعالى وعلاقتها بالذات الإلهية.