مقدمة في مفهوم الرؤية الإلهية
يُعدّ الحديث عن ذات الله تعالى وصفاته من أعظم الموضوعات التي تشغل العقل البشري، وتتطلب انضباطاً كاملاً بضوابط الوحي وقواعد التنزيه.
إن البصر الإلهي ليس كبصر المخلوقات، فهو سبحانه منزه عن الأدوات المادية والوسائط العضوية؛ فلا يحتاج إلى حدقة، أو نور، أو مسافة، أو تباين لكي يرى الأشياء.
القاعدة الكلية: التنزيه بلا تعطيلا والإثبات بلا تمثيل
تستند العقيدة الإسلامية في باب الأسماء والصفات إلى أصل محكم ومبدأ دقيق مستمد من محكم التنزيل، وهو قول الله تعالى: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصيرُ". تجمع هذه الآية الكريمة بين أمرين أساسيين يمثلان صمام أمان للفكر الإنساني:
التنزيه: نفي المماثلة بين صفات الخالق وصفات المخلوقات بشكل قاطع، فلا شبيه له ولا نظير.
الإثبات: إقرار ما وصف الله به نفسه على وجه الكمال اللائق بجلاله، دون تحريف أو تأويل مخرج عن معناه الظاهر اللائق بالله.
وعليه، فإن العقل البشري حين يتفكر في كيف يبصر الله، يُدرك بداهة أن الإبصار البشري مقيد بالزمان والمكان والضوء والظلمة والبعد والقرب؛ بينما الإبصار الإلهي صفة كمال ذاتية أزلية أبدية، محيطة بكل المبصرات في آن واحد من غير شغور مكان مكانَ مكانٍ، ولا اشتغال بمرئي عن مرئي.
شمولية البصر الإلهي ودقته المطلقة
حين نتأمل في مظاهر بصر الله عز وجل في الكون، نجد أنه يشمل الصغير والكبير، والظاهر والباطن، بل وحتى الدقائق الخفية التي تعجز أحدث التقنيات البشرية عن رصدها. يقول العلماء إن بصر الله تعالى يتعلق بجميع المبصرات؛ فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى ما تحت الأرضين السبع كما يرى ما فوق سماواته العلى.
رؤية الظواهر والخوافي: لا يفرق بصر الله بين ما هو جليّ ظاهر وما هو خفي مستتر؛ فالأعماق كالظواهر، والسرّ كالعلانية عنده سبحانه سواء.
الشهود الدائم: الله سبحانه هو "الشاهد" الذي لا تغيب عنه غائبة، فكل ذرة في هذا الكون تتحرك ضمن نطاق بصره وإحاطته، مما يورث قلب المؤمن شعوراً عميقاً بالمراقبة الذاتية والخشية المستمرة.
"البصير لا بتفريق آلة، والشاهد لا بمماسة" — هكذا وصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كمال البصر الإلهي، مبيناً أنه إبصار حقيقي بلا حاجة لأدوات الجوارح التي يتصف بها المخلوقون.
أثر الإيمان بصفة البصر في حياة الإنسان
إن معرفة العبد بأن الله بصير بأفعاله وأقواله وخفقات قلبه ليست مجرد معلومة نظرية تُحفظ في كتب العقيدة، بل هي طاقة تربوية جبارة توجه السلوك الإنساني نحو الاستقامة والفضيلة. عندما يستحضر الشاب أو المسلم عموماً أن نظرة الله تحيط به في خلواته وجلواته، فإنه يستحيي أن يراه الله على معصية، ويطمئن قلبه بأن مظالمه ومتاعبه غير غائبة عن بصر خالقه الذي ينصر المظلوم ويحصي أعمال العاملين بدقة متناهية.
هل ترغب في أن نستكمل في الجزء الثاني تفاصيل الأدلة النقلية والفلسفية حول كيفية إدراك العقل البشري لتكامل صفتي السميع والبصير؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.