مقدمة تحريرية ومدخل للمسألة
يتردد على ألسنة كثير من المسلمين في أدعيتهم وتعابيرهم اليومية قولُهم: «اللهم إني أسألك بحق ليلة الجمعة» أو «بحق هذه الليلة المباركة»، متوسلين بها إلى الله سبحانه وتعالى في قضاء الحوائج، وتفريج الكربات، واستجابة الدعوات. ونظراً لأن الدعاء هو العبادة، ولأنه توقيفي في أصله ومبناه، فإن تحري الألفاظ الشرعية الصحيحة في التوسل يُعد ضرورة عقدية وفقهية تمنع الوقوع في المحاذير اللفظية أو المعنوية.
يتناول هذا البحث (في جزئه الأول) تحرير مفاهيم التوسل، ومنزلة ليلة الجمعة وزمانها، والتأصيل اللغوي والشرعي لمعنى «الحق» إذا أضيف إلى المخلوقات والأزمنة المفضلة.
أولاً: منزلة ليلة الجمعة في الشريعة الإسلامية
ليلَة الجمعة (ويقصد بها ليلة السبت لغةً، أو الليلة التي تسبق نهار الجمعة اصطلاحاً عند العوام، والمراد بها هنا ليلة يوم الجمعة ونواره وفضله) تتبوأ مكانة عظيمة في دلائل الوحيين:
خير الأيام ولياليها: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مزية هذا اليوم وفضله، وأن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه (متفق عليه).
تعظيم الزمان: الزمان الفاضل ليس فاعلاً بذاته، بل هو محل تضاعف فيه الأعمال الصالحة، وتنزل فيه الرحمات بالاعتبار القدري والشرعي المرتبط بطاعة الله فيه والإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة سورة الكهف.
الفرق بين فضل الزمان ومشروعية التوسل به: كون الزمان فاضلاً ومبارکاً لا يوجب بالضرورة صحة الصيغة الإنشائية في الدعاء بصورة «بحق كذا»، فالفضل شيء، وجعل الشيء وسيلة مقسمة أو مقسماً بها أو مستحقاً للحق شيء آخر [cite: 1.1.1].
ثانياً: مفهوم «الحق» لغةً واصطلاحاً وثبوتاً
كلمة «الحق» تدور لغتاً في معاجم العرب حول الثبوت والوجوب والصدق والواقع. فإذا قيل: «لِفُلانٍ حقٌّ على فلان»، أي وجب له بطريق المعاوضة أو التفضل أو الوعد.
أما حق الله تعالى على عباده، فقد بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً»، وحق العباد على الله –تفضلاً وعدداً ووعداً صادقاً– أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً. لكن هل للمخلوقات أو الأزمنة «حقٌّ» واجب بذاتها على الخالق سبحانه؟
قال أهل العلم المحققون: **ليس لمخلوق على الخالق حق واجب لذاته»، بل كل ما للمخلوق من فضل أو إجابة هو من باب تفضل الله وجوده وإحسانه ووعده الصادق، لا أن المخلوق يوجب على خالقه شيئاً قسراً أو استحقاقاً ذاتياً مستقلاً.
ثالثاً: التأصيل الشرعي للتوسل المشروع والممنوع
ينقسم التوسل في الدعاء إلى أنواع متباينة:
التوسل المشروع: وهو التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، أو التوسل بعمل صالح يقوم به الداعي نفسه (كقصة أصحاب الغار)، أو التوسل بدعاء الحي الحاضر القادر.
التوسل بالمخلوقات والأزمنة والأصقاع بصيغة «الحق»: اختلف فيه العلماء على تفصيل دقيق يعود إلى المعنى المقصود باللفظ:
الوجه الأول: إن أراد الداعي بقوله «بحق ليلة الجمعة» أو «بحق الأذان» أو «بحق رمضان» أن هذا الزمان أو العمل له حقّ يستوجب على الله إجابة الدعاء لذات المخلوق أو منزلة المخلوق المستقلة، فهذا ممنوع باطل؛ لأن المخلوق لا يفرض على الخالق شيئاً، ولأن حقيقة التوسل بذات المخلوق وكرامته كقَسَم أو حق موجب ليس عليه أثارة من علم صحيح من السنة [cite: 1.1.1].
الوجه الثاني: إن قصد بالحق المعنى العائد إلى فعل الله تعالى ووعده وإجاباته للسالكين (كأن يكون معنى «بحق السائلين» أي إجابة الله لهم التي التزم بها فضلاً)، فبعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده رأوا أن هذا يعود إلى سؤال الله بأفعاله وإحسانه، ومع ذلك يبقى هذا المسلك عرضة للبس، والأولى والأحوط تركُه [cite: 1.1.1].
رابعاً: خلاصة التحرير في هذا الجانب
الأصل في الأدعية والذكور التوقيف والمتابعة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فلم يرد في السنة الصحيحة أن الصحابة رضي الله عنهم كانو يقولون في أدعيتهم: «اللهم إني أسألك بحق ليلة الجمعة» أو «بحق شهر كذا» أو «بحق مكان كذا».
إذن، الوقوف عند المأثور من الدعاء، وسؤال الله بأسمائه وصفاته، أو بالإكثار من الأعمال الصالحة بين يدي الدعاء، أغنى وأكفى وأسلم للقلب والعقيدة، ويبعد المسلم عن التكلف اللفظي الذي قد يحمل معاني غير مقصودة أو محظورة فقهياً وعقدياً.
يتبع في الجزء الثاني: التطبيقات المعاصرة، وآراء المذاهب الأربعة، والبدائل النبوية الصحيحة لدعاء ليلة الجمعة.
هل ترغب في الانتقال مباشرة إلى الجزء الثاني واستكمال تفصيل الآراء الفقهية والبدائل النبوية؟
خلاصة الأحكام والبدائل المشروع في الدعاء
استكمالاً لما سبق بيانه في الجزء الأول من حكم التوسل بالأزمنة أو المخلوقات، فإن العلماء يقررون قاعدة أساسية مفادها أن "الحق" لا يجب على الله تعالى إلا ما أوجبه على نفسه تفضلاً منه ورحمة.
البدائل المشروعة في أدعية يوم ليلة الجمعة
للاستفادة من نفحات هذا اليوم المبارك دون الوقوع في محاذير الألفاظ المبتدعة أو المنهي عنها، ينبغي للمسلم الالتزام بصيغ التوسل المشروعة والثابتة في الكتاب والسنة، ومنها:
التوسل بأسماء الله وصفاته:
كأن يقول الداعي: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد" أو بصفات الرحمة والمغفرة. التوسل بالأعمال الصالحة:
كقصة أصحاب الغار، مثل قول: "اللهم إن كنتُ فعلتُ كذا ابتغاء وجهك فرج عنا". تحري ساعات الإجابة:
التركيز على الدعاء في الساعة التي تكون آخر ساعة بعد عصر يوم الجمعة، أو بين الأذان والإقامة، دون تقييد الدعاء بصيغ محددة لم ترد. الإكثار من الصلاة على النبي:
إظهار التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة الإبراهيمية وما ورد عنها، فهي مفتاح لكل خير وكفاية للمهمات.
ملاحظة فقهية: في الأدعية الثابتة والصحيحة غنية وكفاية تامة للمسلم عن تكلّف الألفاظ المبتدعة أو المشتبه فيها، مما يحافظ على صفاء التوحيد وسلامة العبادة.
هل ترغب في معرفة المزيد عن الأدعية الثابتة المستحبة في يوم الجمعة؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.