بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد: عظم الرؤية وسؤال القلوب
طالما شغلت المسائل العقدية الكبرى عقول العلماء والمفكرين والباحثين عن الحقائق الإيمانية، وتُعد مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أو الملك الجليل جبريل عليه السلام لذات الله عز وجل من أعظم المسائل التي تناولتها كتب التفسير، والعقيدة، والحديث الشريف. هذا السؤال: "هل رأى جبريل عليه السلام ربه؟"، يفتح باباً واسعاً للتدبر في ملكوت السماوات والأرض، وفي طبيعة الملائكة الأبرار، وخصائص الأنبياء المصطفين.
وعندما نتأمل نصوص الوحيين (القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة)، نجد أن هذه القضية ترتبط ارتباطاً وثيقاً برحلة المعراج المباركة، وبما ورد في سورتي النجم والتكوير، مما يفرض على الباحث تحري الدقة والرجوع إلى أصول أهل السنة والجماعة لضبط المفاهيم العقدية بعيداً عن الغلو أو التأويل المذموم.
أولاً: طبيعة جبريل عليه السلام ومنزلته في الملأ الأعلى
خلق الله تعالى الملائكة من نور وجعلهم طائعين لأمره، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ويتربع الروح الأمين جبريل عليه السلام على قمة هذا العالم الملائكي الطاهر؛ فهو السفير الإلهي بين رب العزة ورسله من البشر.
المنزلة الرفيعة: خصه الله تعالى بأعظم المهام، وهي حمل الوحي الإلهي الخاتم إلى الأنبياء والمرسلين، وخصوصاً إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
القدرة والتشكل: خلقه الله عز وجل بقدرات عظيمة، فقد وصفه القرآن الكريم بأنه ذو قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، وله ستمائة جناح، يغطي الأفق إذا تجلى على صورته الحقيقية التي خلق عليها.
القرب من الحجب: بحكم كونه المقرب الأعظم ورسول السماء إلى الأرض، فإنه يدخل في عوالم علوية لا تدركها أبصار البشر المعتادة، مما يجعله في موقع تواصل دائم مع النواميس الكونية الإلهية.
ثانياً: الدلالات القرآنية والأحاديث النبوية المرتبطة بالمسألة
لكي نجيب عن تساؤلنا بدقة، لابد من الوقوف عند النصوص الشرعية التي تعرضت لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم أو رؤية جبريل للذات الإلهية العلية.
1. آيات سورة النجم وتفسيرها
يقول الله تعالى في محكم كتابه:
"مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12) وَلَقَدْ رَأَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زاغَ البَصَرُ وَما طَغَى (17) لَقَد رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى" [النجم: 11-18].
اختلف السلف والخلف في تفسير من المقصود بالرؤية في هذه الآيات الكريمة؛ هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية في المعراج، أم رأى ربه عز وجل؟
قول الجمهور (من الصحابة كعائشة رضي الله عنها وابن مسعود وغيرهم): إن الضمير في "رأاه" يعود إلى جبريل عليه السلام، حيث رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته الملكية مرتين: مرة في الأرض ومرة عند سدْرَة المنتهى ليلة المعراج.
الرواية الأخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما: ذهب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه أو بصره ليلة الإسراء والمعراج. وفي المقابل، فإن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حسمت الأمر في نفي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه بالعين البصرية في الدنيا، مؤكدة أن من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رَبَّه فقد أعظم على الله الفرية، مستدلة بقوله تعالى: "لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" [الأنعام: 103].
ثالثاً: موقف جبريل عليه السلام من رؤية ربه جل وعلا
إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو سيد ولد آدم وأفضل الأنبياء والمرسلين، لم يَرَ ربه بعين رأسه في الدنيا، فما هو الحال بالنسبة للملك جبريل عليه السلام؟
الحجب النورانية: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة عن حجاب النور الإلهي؛ ففي الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (رواه مسلم).
مكانة جبريل أمام هذا الحجاب: جبريل عليه السلام، على عظم قدره وقوته وعلو منزلته، مخلوق من مخلوقات الله تعالى، وهو داخل في عموم قوله "مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ". فهذا الملك الجليل يتلقى الوحي من الله عز وجل إما كلاماً يسمعه، أو بواسطة الإلهام، أو ينزل به الأمر الإلهي، ولكنه كبقية المخلوقات محاط بحدود العبودية والمخلوقية.
عبادة الخضوع والتسبيح: إن جبريل عليه السلام، رغم قربه الشديد من الحضرة الإلهية ومقامه العالي في الملأ الأعلى، يظل خاضعاً لعظمة الخالق، عارفا بحدوده كملك مصطفى، يستغرق وقته في التسبيح والتقديس وتنفيذ الأوامر الربحية دون ادعاء إدراك كنه الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار وهي تدرك الأبصار.
هل ترغب في أن نستكمل الجزء الثاني من المقال لنفصل أكثر في أقوال أهل العلم حول لقاء المعراج وطبيعة الإدراك الملائكي؟
الخاتمة: رؤية الله تعالى في المعراج بين الأدلة الشرعية والتحقيق العقدي
بناءً على ما تقدم من تفصيل في مسألة رؤية الملك جبريل عليه السلام لربه سبحانه وتعالى، يمكننا الوصول إلى خلاصة علمية منضبطة وفق منهج أهل السنة والجماعة، تتلخص في النقاط الآتية:
حقيقة الرؤية البصرية المنفية: اتفق المحققون من أهل العلم على أن جبريل عليه السلام -على جلالة قدره وعظم مكانته وسلطانه الملكوتي- لم يرَ الله سبحانه وتعالى بصره في ليلة المعراج ولا في غيرها، لأن المخلوق مهما بلغ من العظمة يظل كائناً محدثاً، وعين المخلوق قاصرة عن إدراك الخالق عز وجل في هذه الدار الدنيا.
الآيات الكريمة وتفسيرها: حمل أهل التفسير قول الله تعالى في سورة النجم: (ولقد رآه نزلة أخرى عند سدنة المنتهى) على رؤية جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم، أو رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل على صورته الحقيقية التي خلق عليها، لا رؤية جبريل لربه.
حجب الأنوار الإلهية: استند العلماء إلى الحديث النبوي الشريف الذي يصور عظمة الباري عز وجل، كقوله صلى الله عليه وسلم: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وهذا يحول دون إدراك المخلوقات لذاته العلية رؤيةً في الدنيا.
مقام النبي صلى الله عليه وسلم: تجدر الإشارة إلى أن مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج قد دار حولها الخلاف بين الصحابة والتابعين والعلماء من بعدهم، فذهب الأكثرون إلى أنه رآه بقلبه لا ببصره، بينما أثبت بعضهم الرؤية البصرية، ومع ذلك يبقى الأمر خاصاً بالنبي الخاتم دون غيره من الملائكة المقربين.
وفي الختام، فإن الإيمان بهذه الغيبيات ينبغي أن يقف عند حدود ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة، مع تنزيه الله عز وجل عن مشابهة المخلوقات، وإثبات كمال العظمة والجلال له وحده سبحانه وتعالى.
هل ترغب في التعرف على تفاصيل إضافية حول أحداث ليلة الإسراء والمعراج وفق السيرة النبوية؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.