لماذا يمسح الشيعة أرجلهم في الوضوء؟ (الجزء الأول: الجذور القرآنية والفقهية)

يُعدّ الوضوء أحد أهم أبواب الفقه الإسلامي باعتباره مفتاحاً للعبادة وشرطاً أساسياً لصحة الصلاة. وفي حين اتفقت المذاهب الإسلامية على تفاصيل أجزاء واسعة منه، تبرز مسألة "مسح الرجلين" مقابل "غسلهما" كواحدة من أبرز المسائل الاجتهادية والكلامية التي تثير تساؤلات الكثيرين. فعندما يُشاهد المسلمون الشيعة الإمامية يتوضؤون، يلاحظون أنهم يكتفون بمسح ظهر القدمين بالبلّة الباقية في الكفّين بدلاً من غسلهما بالماء الجاري، فما هي الأسباب والدوافع وراء هذا التشريع الفقهي؟ وما هي الأدلة التي يستندون إليها من القرآن والسنة؟

1. الدلالة اللغوية والنحوية في آية الوضوء

يعتمد الفقه الإمامي في المقام الأول على النص القرآني الصريح الوارد في سورة المائدة، وتحديداً في الآية السادسة عشرة بعد المائة، حيث يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}.

عند تحليل بنية هذه الآية الكريمة من الناحية النحوية، يبرز استدلال دقيق يعتمده علماء الشيعة ووافقتهم عليه مدارس نحوية ولغوية متعددة؛ إذ قُسّمت أعضاء الوضوء في الآية إلى صنفين بوضوح:

  • صنف أُمر بالغسل: وهما الوضوء للوجه واليدين إلى المرافق، حيث اقترن الفعل بـ "فاغسلوا".

  • صنف أُمر بالمسح: وهما الرأس والأرجل، حيث اقترن الفعل بـ "وامسحوا".

ويشير المحققون إلى أن عطف قوله تعالى {وأرجلكم} على {برؤوسكم} (سواء كان بجر اللام قراءةً لعطفها على المجرور لفظاً، أو بنصبها عطْفاً على محِلّ الرؤوس التي هي في محل نصب مفعول به لفعل المسح المقدر أو المتصل) يفيد اشتراكهما في حكم واحد وهو "المسح". ولو كان الغسل هو المطلوب للرجلين لتغيّر السياق العطفي أو لورد الفعل صريحاً كما ظهر في غسل الوجوه والأيدي.

2. السنة النبوية الشريفة وروايات أهل البيت

لا تقتصر حجة الشيعة على التوجيه النحوي للآية القرآنية فحسب، بل يستندون إلى منظومة متكاملة من الروايات الواردة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن أئمة أهل البيت عليهم السلام، الذين يُعتبرون عِدل القرآن في المدرسة الإمامية. تؤكد هذه النصوص أن النبي الأكرم كان يمسح على ظاهر قدميه في الوضوء.

فقد وردت أحاديث في كتب الصحاح والمسانيد عند مختلف المسلمين تدعم أصل المسح أو تنقل ممارسات بعض الصحابة والتابعين الذين ذهبوا إلى وجوب مسح الرجلين كابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي والإمام محمد الباقر وغيرهم. وفي تراث أهل البيت، توضح النصوص المتواترة عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام أن صفة الوضوء المنتظمة التي ورثوها كابراً عن كابر عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تنتهي بمسح مقدم القدمين ورأسها براحة الكفّين وبما تبقّى من بلّة الوضوء، معتبرين أن الأمة قد اختلفت وتفرّقت في تفسير وتطبيق هذه الفريضة بعد رحيل النبي، بينما حافظ خط أهل البيت على النص القرآني الأصلي حرفاً ووضوءاً.