تعد مسألة جمع القرآن الكريم وتدوينه ونشأته التاريخية من أكثر الموضوعات حساسية وعمقا في دراسات العلوم الإسلامية وتاريخ الفكر الإسلامي. وعندما نطرح التساؤل حول "من الذي كتب القرآن عند الشيعة؟" فإننا لا نواجه مجرد إجابة تاريخية بسيطة، بل نغوص في بحر من الرؤى العقدية، والمصادر الحديثية، والتطورات التاريخية التي شكلت نظرة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وتراثها الفكري تجاه نص القرآن الكريم، هويته، وتاريخ كتابته وحفظه.
في هذا المقال التحليلي المعمق، سنفكك خيوط هذه المسألة التاريخية والعقدية، مستندين إلى المصادر المعتمدة لدى الإمامية الإثني عشرية، لنقف على الحقيقة الدقيقة بعيداً عن الصور النمطية أو التفسيرات السطحية التي قد تثار في وسائل الإعلام أو السجالات الطائفية.
أولاً: الإطار العام والاعتقاد القطعي بصحة النص القرآني الموجود
قبل الخوض في تفاصيل من تولى الكتابة والتدوين في الصدر الأول، يجب إرساء القاعدة الكبرى التي تجمع عليها كلمة علماء الشيعة الإمامية قاطبة عبر التاريخ: أن القرآن الموجود بين أيدينا اليوم هو نفس القرآن الذي أُنزِل على النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، من دون زيادة ولا نقصان، وأنه محفوظ بحفظ الله عز وجل (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
وقد صرح أساطين الفقه والكلام الإمامي - مثل الشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، السيد مرتضى، الشيخ الطوسي، العلامة الحلي، وصولاً إلى المحققين المعاصرين كالسيد الخويّ والعلامة الطباطبائي - بأن القرآن الكريم متواتر بجميع آياته وسوره تواتراً قطعياً يفيد العلم اليقيني. وعليه، فإن أي نقاش حول "الكتابة والجمع" لا يمس البتة سلامة النص الموجود أو وثاقته المطلقة لديهم، بل ينصب حصراً على:
تاريخ وتوقيت تدوين المصحف الأول.
الأدوار التي قام بها الصحابة وخصوصاً أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في حفظ وتدوين الوحي.
الروايات المختلفة الواردة في كتب الحديث وكيفية التعامل العلمي والأصولي معها.
ثانياً: دور الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في كتابة الوحي وجمعه
عند البحث في المصادر الشيعية عن أول من بادر إلى جمع القرآن وتدوينه وفق ترتيب النزول مع أسباب النزول والتفسير، يبرز اسم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بوصفه الشخصية الأبرز والأسبق في هذا المضمار.
تشير الروايات المتواترة في التراث الشيعي، بل وبعض المصادر السنية أيضاً، إلى أن الإمام علياً (عليه السلام) كان كاتباً أساسياً للوحي بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الذي وثق الآيات فور نزولها بحضرة النبي. غير أن البعد الأهم الذي يركز عليه الفكر الشيعي هو "مصحف علي (عليه السلام)" الذي قام بجمعه فور وفات النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
وفقاً للروايات الواردة في الكافي للكليني، وتاريخ الطبري، ومقالات الإمامية، فإن علياً (عليه السلام) آلى على نفسه بعد وفاة النبي (ص) ألا يرتدي رداءه إلا للصلاة حتى يفرغ من جمع القرآن في مصحف واحد. ويتميز هذا المصحف الفريد بعدة خصائص وفقاً للنصوص الشيعية:
الترتيب الزمني: إنه رُتّب بحسب نزول السور والآيات، فكان يبدأ بـ "اقرأ باسم ربك الذي خلق" وما تلاها تاريخياً.
التوضيح والتأويل: تضمن مصحف علي (عليه السلام) بياناً لأسباب النزول، وتفريقاً بين الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، فضلاً عن إدراج بعض الشروح النبوية والتفسيرية في الهوامش أو على شكل تنزيل تفسيري لا يُعتبر جزءاً من النص القرآني المتلو، بل بياناً لمعناه.
وتذكر الروايات التاريخية أن الإمام علياً (عليه السلام) حمل هذا المصحف على جمل وعرضه على وجوه الصحابة بعد وفاة النبي، فقال لهم: "إن رسول الله (ص) أرسلني إليكم حين قبضت لتجتمعوا على ما جمعت... فلا تقولوا غداً إنا كنا عن هذا غافلين". غير أن الموقف السياسي والاجتماعي آنذاك حال دون اعتماد هذا المصحف كرسم رسمي موحد للدولة الناشئة، فاحتفظ الإمام علي (عليه السلام) بمصحفه هذا ليكون إرثاً إمامياً يتوارثه الأئمة من ولده، بوصفه وثيقة تاريخية وعلمية بالغة الأهمية.
ثالثاً: كتّاب الوحي الآخرون في الصدر الأول بمنظور إمامي
لا يقتصر التراث الشيعي في ذكر كتّاب القرآن على الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحده، بل يعترف ويقر بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان له عدد كبير من كتّاب الوحي الذين كلفهم بتدوين الآيات على العسب (جريد النخل)، اللخاف (الحجارة الرقيقة)، الرقاع، والأكتاف. ومن هؤلاء الأعلام:
أبي بن كعب: الذي عُدَّ من أبرز القراء والكتّاب.
زيد بن ثابت: الذي كان كاتباً للوحي، وكان له دور محوري في اللجان الرسمية التي شكلت في عهد الخليفة أبي بكر وعثمان بن عفان لتوحيد المصاحف.
عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم ممن وردت أسماؤهم في قائمة كتّاب الوحي النبوي.
ولا يجد المحققون الشيعة غضاضة في الاعتراف بدور هؤلاء الصحابة في الكتابة، لأن عملهم كان بإشراف وتوجيه مباشر من النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان يعين موضع كل آية وسورة بقوله: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". فالنص القرآني، بحسب الاعتقاد الإمامي، كان مدوناً ومحفوظاً في الصدور والسطور معاً منذ العهد النبوي، وما عمليات "الجمع" اللاحقة إلا محترفات لتوثيق وتوحيد النسخ المتفرقة في مصحف جامع واحد يمنع الاختلاف في القراءة.
خاتمة البحث: وحدة النص القرآني عند الإمامية
وفي السياق التاريخي، يتفق المحققون من علماء الشيعة الإمامية أن القرآن الكريم الموجود بين أيدي المسلمين اليوم هو ذاته النص المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله، بلا زيادة ولا نقصان.
وقد حسم كبار أعلامهم، كالسيد الخوئي في "البيان" والشيخ الطبرسي في "مجمع البيان"، موقفهما القطعي بصيانة القرآن الكريم عن التحريف، معتبرين أن عظمة القرآن تكمن في حفظ الله المطلق له مصداقاً لقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). وبذلك يلتقي علماء الإمامية مع عموم المسلمين في الاعتماد على المصحف الشريف المتواتر الذي بين الدفتين، تاركين خلفهم الروايات الضعيفة أو الشاذة التي لا تعضدها أصول مذهبهم العقدي والفقهي الصارم في هذا الباب.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.