يُعدّ تنظيم الصفوف وتسويتها من أهم الآداب والسنن المؤكدة في الصلاة الجماعية، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة تحثّ المأمومين على التراصّ والاعتدال. ولطالما دأب الأئمة في شتى بقاع العالم الإسلامي على تذكير المصلين بذلك قبيل تكبيرة الإحرام بعبارات مختلفة، أشهرها وأكثرها تداولاً لفظة "استقيموا" أو "استقيموا وتساووا". ومن هنا تبرز أهمية معرفة الحكم الشرعي لهذه الألفاظ ودلالاتها الفقهية، وهل تُعدّ من السنة المأثورة أم من البدع المحدثة؟

في هذه المقالة المفصلة، سنغوص في أعماق هذه المسألة الفقهية، مستعرضين أقوال أهل العلم، والأدلة المستندة إليها، والفرق بين المشروع والمبتدع في هذا الباب.

أولاً: الأهمية الشرعية لتسووية الصفوف

قبل الخوض في الحكم الخاص بلفظ الإمام، يجب إطاره ضمن سياقه الشرعي الأوسع؛ ألا وهو تسوية الصفوف. فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (متفق عليه). هذا الوعيد الشديد يدل بوضوح على أن تسوية الصفوف ليست مجرد نافلة عابرة، بل هي أمر عظيم يعتني به الإمام والمأمومون على حد سواء.

ولأن الإمام هو المسؤول الأول عن إقامة الصلاة وتوجيه المأمومين، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده يتفقدون الصفوف ويأمرون بتسويتها بدقة قبل الشروع في القراءة والصلاة. ومن هنا نشأت الحاجة إلى ألفاظ وتنبيهات تصدر عن الإمام لتنبيه الغافل وإيقاظ النائم وتحقيق التراص المطلوب.

ثانياً: التوجيهات النبوية الثابتة في تسوية الصفوف

عند تتبع السنة النبوية الصحيحة، نجد أن الألفاظ التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه في تسوية الصفوف محددة ومعلومة. ومن أثبت هذه الألفاظ:

  1. "استَوُوا": وهي اللفظة الصريحة التي وردت في روايات صحيحة عديدة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم".

  2. "أقيموا صفوفكم": وهي صيغة أمر تدل على إقامة الصف وإصلاح اعوجاجه.

  3. "تراصُّوا": للدلالة على تقارب الأبدان وسدّ الفراغات.

وقد كان الصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنه وغيره من الصحابة يبلغون أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الألفاظ الدقيقة والمأثورة.

ثالثاً: حكم قول الإمام "استقيموا" فقهياً

عند البحث في كلام الفقهاء حول الألفاظ التي يقولها الإمام، نجد تفصيلاً مهماً بين أمرين: المعنى المراد واللفظ المستخدم.

1. من حيث المعنى:

كلمة "استقيموا" تعني الاعتدال والبعد عن الاعوجاج، وهي كلمة حق ومطابقة تماماً لما أمر به الشارع الحكيم من تسوية الصفوف واعتدالها. فمن هذه الناحية، المعنى صحيح ولا ريب في مشروعيته، لأن الغاية هي تحقيق تسوية الصفوف التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم.

2. من حيث اللفظ المخصوص:

ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن السنة في الألفاظ هي الالتزام بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مثل قول "استووا" أو "أقيموا صفوفكم". أما التزام لفظ معين لم يرد به نص خصوصي وجعله كالشعار الراتب الذي لا يُعدل عنه، فقد عدّه بعض أهل العلم من الأمور التي ينبغي تركها لئلا يُظن أنها سنة ثابتة بخصوصها، مع عدم تحريمها إن كان المقصود بها التنبيه على تسوية الصفوف.

يقول الإمام ابن القيم وغيره من محققي أهل السنة: إن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأفضل الألفاظ في العبادات هي الألفاظ الشرعية الواردة في النصوص، والعدول عنها إلى غيرها بصفة دائمة قد يخالف الكمال المشروع.

رابعاً: آراء المذاهب الفقهية الأربعة

اختلفت عبارات الفقهاء باختلاف المذاهب حول تفاصيل الألفاظ المستحبة للإمام عند تسوية الصفوف:

  • المذهب الحنفي: يرى الحنفية استحباب كلام الإمام للمأمومين بتسوية الصفوف، مع التركيز على الألفاظ المأثورة كـ "استووا"، ويؤكدون على كراهة الكلام الأجنبي الذي لا علاقة له بالصلاة، ولكن تنبيه الصفوف يدخل في مصلحة الصلاة المشروعة.

  • المذهب المالكي: يقرر المالكية أن تنبيه الإمام على تسوية الصفوف أمر مطلوب ومندوب، ويُستحب له أن يأمرهم بالاستواء والاعتدال بالطرق المأثورة.

  • المذهب الشافعي: ينص الشافعية على أن السنة للإمام التوجه للمأمومين والأمر بالتسووية بألفاظ واضحة، ويفضلون الألفاظ الواردة في السنة النبوية كـ "استووا" و"راصُّوا صفوفكم".

  • المذهب الحنبلي: يشدد الحنابلة على اتباع السنة في الألفاظ والأفعال، ويرو

الخاتمة وخلاصة أحكام تسوية الصفوف

وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن إقامة الصفوف وتسويتها تُعد من أهم الأمور التي تحقق كمال الصلاة وتراص الجماعة. وقد تعددت الألفاظ الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في هذا الشأن، مثل: "استووا"، و"أقيموا صفوفكم"، و"تراصوا".

أما فيما يخص لفظة "استقيموا" التي يتردد استخدامها على ألسنة بعض الأئمة عند تسوية الصفوف، فقد ذهب بعض أهل العلم المحققين إلى كراهتها أو عدم استحبابها في هذا الموضع تحديداً؛ لأن الأصل اللغوي والشرعي لكلمة "استقيموا" غالباً ما يُطلق للدلالة على الاستقامة الثابتة على الدين والمنهج، بينما الموضع هنا مخصص لتسوية الأبدان وإقامة الصفوف الحسيّة لا الاستقامة المعنوية. ورأى محققون آخرون أن الأفضل والأولى دائماً هو الاقتصار على الألفاظ الثابتة والمأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وجوباً أو استحباباً للخلاف والبعد عن الألفاظ المحدثة، حرصاً على إحياء السنة النبوية بصورتها الكاملة المباشرة دون زيادات قد تغير المعنى المقصود.

ملاحظة فقهية هامة: لا ينبغي تشديد النكير في مثل هذه المسائل الخلافية الاجتهادية الفرعية بين المصلين، فالأمر فيه سعة، لكن التمسك بالهدي الظاهر والنصوص الواردة يبقى هو الكمال والاتِّباع الأتم.

  • هل ترغب في الاطلاع على الأحاديث الصحيحة الواردة بروايات تسوية الصفوف بالتفصيل؟