مقدمة في علم الحديث عند الشيعة الإمامية ومعايير الاعتبار

يُعدّ موضوع تقييم الأحاديث وتحديد عدد الروايات "الصحيحة" في المدارس الكلامية والفقهية الإسلامية من أهم المباحث العلمية التي شغلت بال الباحثين والمحققين. وحين يُطرح السؤال المحوري: كم عدد الأحاديث الصحيحة عند الشيعة؟، فإن الإجابة لا يمكن أن تأتي بصقم الأرقام المجردة أو بضرب المنهجيات ببعضها دون فهمٍ دقيق لطبيعة التدوين الحديثي ومصطلحات المحدثين والفقهاء الإمامية.

على عكس المدرسة السنية التي استقرت فيها مبكراً تعريفات محددة للصحاح (مثل "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم") والتي التزم مؤلفوها بجمع ما صح عندهم وفق شروط خاصة، فإن مدرسة أهل البيت (الشيعة الإمامية) تنتهج منهجاً مختلفاً في هيكلة مصادرها الحديثية الكبرى، وأبرزها ما يُعرف بـ "الكتب الأربعة":

  1. الكافي للشيخ الكليني (توفي 329 هـ).

  2. من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (توفي 381 هـ).

  3. تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي (توفي 460 هـ).

  4. الاستبصار فيما اختلف من الأخبار للشيخ الطوسي أيضاً.

طبيعة المصادر الكبرى وتنوع الروايات

تحتوي هذه الكتب الأربعة على عشرات الآلاف من الروايات التي تتباين بين الصحيح، والحسن، والموثق، والضعيف؛ إذ لم يلتزم المتقدمون من أصحاب الكتب الأربعة بجمع الأحاديث "الصحيحة" قطعيّة الصدور فقط في كتاب واحد، بل كان همّهم جمع النصوص والمادة العلمية المروية عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وعن الأئمة المعصومين من عترته الطاهرة في أبواب العقائد والأحكام والسنن والآداب، تاركين مهمة تقييم الأسانيد وتمحيصها لعلم الرجال والدراية.

فعلى سبيل المثال، يضم كتاب الكافي للشيخ الكليني ما يُقارب 16,199 حديثاً. وقد خضعت هذه النصوص لاحقاً لعمليات استقراء دقيقة وموسعة من قِبل متأخري المحققين والعلماء (مثل العلامة المجلسي والمامقاني وغيرهما ممن صنفوا في علم الرجال والدراية لتصنيف الأحاديث). ولو أخذنا إحصاءً تقريبياً مدققاً لمرويات "الكافي" بناءً على اصطلاحات علم الرجال المتأخرة، لوجدنا أن تقسيماتها تتوزع على مستويات متعددة من الاعتبار السندي، مما يوضح أن نسبة الحديث الصحيح بمعناه الاصطلاحي الحديث لا تمثل سوى جزء من إجمالي هذه الموسوعات الضخمة، بينما يتوزع الباقي على درجات أخرى كالمرسل والموثق والحسن والضعيف بحسب مباني كل فقيه ومجتهد.

وعلى عكس المدارس الحديثية التي تتبنى حصر الصحة في مصنفات محددة لا تقبل النقاش، يرفض جمهور علماء الإمامية الشيعة وجود كتاب روائي قطعي الصحة بنسبة مئوية مطلقة سوى القرآن الكريم. هذا الاعتقاد أدى إلى تباين واضح في تقدير الأعداد النهائية للأحاديث الصحيحة، نظراً لخضوع كل رواية لعملية "فحص رجالي" ودراسة دقيقة للسند والمتن من قِبل كل فقيه على حدة.

محددات تقييم النصوص الحديثية

  • الاجتهاد المستمر: لا توجد إحصائية نهائية أو رقم قطعي متفق عليه لجميع الأحاديث الصحيحة، لأن علم الرجال والدراية في تطور مستمر.

  • تعدد المباني الرجالية: اختلاف علماء الرجال في توثيق أو تضعيف بعض الرواة يترتب عليه مباشرة انتقال الحديث الواحد من دائرة "الصحّة" إلى "الحسن" أو "الموثق" أو حتى "الضعف".

  • الاعتماد على القرائن: قد يحكم الفقيه بصحة حديث معين بناءً على قرائن خارجية محيطة به، حتى وإن كان في طريقه سندياً بعض المقال.

نظرة تحليلية على الكتب الأربعة

عند النظر إلى جوامع الحديث الأساسية والمعروفة بـ الكتب الأربعة (الكافي، من لا يحضره الفقيه، تهذيب الأحكام، والاستبصار)، يتجاوز مجموع الروايات الأربعين ألف حديث. غير أن التصنيف الموضوعي لتلك الروايات أظهر تفاوتاً كبيراً بين الصحّة والضعف وفقاً للمقاييس المتأخرة، حيث قسّم المحققون أحاديث "الكافي" -على سبيل المثال- إلى مراتب متعددة، تضم آلاف الروايات الصحيحة والموثقة إلى جانب الحسان والضعاف.

ملاحظة منهجية: العبرة عند المحققين المتأخرين ليست بالكم الهائل للروايات، بل بالميزان العلمي الدقيق المتمثل في دراسة السند واتصاله، وعرض النصوص على محكمات الكتاب والسنة الشريفة لتمييز الثابت منها عن غيره.

في ضوء هذه المعطيات، يبقى باب الاجتهاد مفتوحاً أمام الباحثين لغربلة التراث الروائي وفق قواعد علمي الدراية والرجال بدقة متناهية.