تُعد الصلاة عمود الدين وأعظم أركان الإسلام العملية بعد الشهادتين، وقد احتلّت مكانةً كبرى في التشريع الإسلامي لكونها الصلة المباشرة بين العبد وخالقه. ومن أجل تحقيق هذه الصلة على أكمل وجه، وضعت الشريعة الإسلامية أحكاماً دقيقةً وآداباً رفيعةً تضمن للمصلي حضور القلب، والخشوع الظاهري والباطني، والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يشوش الفكر أو يُذهب الخشوع.
ومن بين المسائل الدقيقة التي قد تقع من المصلين، وتتكرر التساؤلات حولها في مجالس الفقه والفتوى، مسألة تحريك العينين أو الالتفات بهما أثناء الصلاة. فما هو الحكم التكليفي لهذه الفعلة؟ وما هي الأدلة الواردة فيها؟ وكيف تفاعل الفقهاء والمذاهب الأربعة مع هذه المسألة؟ هذا ما سنفصله في هذا المقال العلمي المفصل.
أولاً: مفهوم الخشوع وأهمية السكون في الصلاة
الخشوع هو روح الصلاة ولبها؛ فصلاة بلا خشوع كجسد بلا روح. وقد أثنى الله تعالى على المؤمنين الخاشعين في محكم كتابه بقوله:
[المؤمنون: 1-2].
وللخشوع مظهران رئيسيان:
خشوع القلب: وهو الاستكانة والخضوع والمحبة والمخافة لله تعالى، واستحضار عظمتِه والوقوف بين يديه.
خشوع الجوارح: وهو السكون وعدم الحركة العبثية، وغض البصر عن كل ما يشوش القلب، والتوجه نحو موضع السجود أو القبلة حسب أحوال الصلاة.
ومن هنا، فإن الشريعة الإسلامية حثت على السكون والوقار، ونهت عن العبث والحركات غير الضرورية في الصلاة؛ لأن كثرة الحركة تنافي مقصود الخشوع وتُنافي الهيئة التي ينبغي أن يكون عليها العبد المناجي لربه.
ثانياً: الأدلة الشرعية العامة والخاصة في النظر والحركة
لقد وردت جملة من النصوص النبوية الشريفة والأحاديث الصحيحة التي تُبين آداب النظر في الصلاة، وتحذر من الالتفات بالوجه أو العينين، لما في ذلك من تفويت للخشوع وتعرض لتلاعب الشيطان.
1. النهي عن الالتفات بالوجه
من أصح وأصرح ما ورد في هذا الباب ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت:
«سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الِتِفَاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ».
وهذا الحديث الشريف يبين بجلاء أن الالتفات بالوجه يمثل سرقةً واختلاساً يمارسه الشيطان ليسلب المصلي جزءاً من أجر صلاته وخشوعها.
2. التحذير الشديد من رفع الأبصار إلى السماء
ومما يتصل ارتباطاً وثيقاً بموضوع تحريك العينين والالتفات البصري، ما ورد في النهي الأكيد عن رفع البصر إلى السماء أثناء الصلاة. فقد روى الإمام البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ؟» فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُونَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ».
وفي رواية أخرى لمسلم، تحذير بليغ من أن يزيغ البصر أثناء الوقوف بين يدي الله، مما يؤكد أن العينين لهما دور أساسي في ضبط هيئة المصلي وحفظ بصره عن التشتت.
ثالثاً: التأصيل الفقهي لحكم تحريك العينين (الالتفات بالعين)
عند إمعان النظر في كتب الفقه لمذاهب أهل السنة والجداء الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة)، نجد تفصيلاً دقيقاً بين الالتفات بالوجه وبين الالتفات بالعين وحدها دون الوجه.
1. الكراهة التنزيهية للالتفات بالعين دون الوجه
اتفق جمهور الفقهاء على أن الالتفات بالعينين فقط (أي تحريك الحدقتين يميناً أو يساراً أو لأعلى دون أن يدور الوجه عن استقبال القبلة) يُعد مكروهاً كراهة تنزيهية في الصلاة، ما لم توجد حاجة أو ضرورة تدعو إلى ذلك.
العلة الفقهية: العلة في الكراهة هي أن هذا الفعل ينافي كمال الخشوع والوقار المطلوبين في الصلاة، فضلاً عن أنه يشبه فعل المستعجل أو الغافل.
مكانة الوجه: الوجه يجب أن يظل مستقبلاً لجهة القبلة بلا شك، وإذا التفت الوجه كله بطلت الصلاة عند بعض المذاهب إذا كان كثيراً بلا عذر، أو مُكرهًا عليه، بينما الالتفات بالعين وحدها لا يُبطل الصلاة باتفاق، لكنه ينقص ثوابها وكمال خشوعها.
2. آراء المذاهب الفقهية بالتفصيل
المذهب الحنفي: يرون أن تحريك العينين مكروه؛ لأنه منافٍ للأدب والخشوع، ويكره للمصلي أن ينظر حولينا إلا لعذر، وينبغي أن يكون بصره منصباً على موضع سجوده في حال القيام، وعلى ظهر قدميه في حال الركوع، وعلى حجره في حال التشهد، وعلى طرف أنفه في حال السجود.
المذهب المالكي: يشددون على أهمية السكون وغض البصر، ويرون أن تحريك العينين بلا حاجة يُعد من العبث المكروه الذي ينقص أجر الصلاة، مع صحتها وعدم بطلانها بذلك.
المذهب الشافعي: نصّ الشافعية صراحة على كراهة الالتفات بالعينين بلا حاجة، واستدلوا بما ورد من الآثار والأحاديث الناهية عن العبث في الصلاة، مؤكدين أن السسنة للمصلي أن يخشع ببصره فلا يوزعه يميناً ولا يساراً.
المذهب الحنبلي: يوافقون الجمهور في كراهة الالتفات بالعينين، ويرون أن السنة للمصلي أن لا يجاوز بصره موضع سجوده، وأن أي حركة زائدة للعينين لغير عذر تُعتبر مكروهة ومخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
رابعاً: الحالات المستثناة التي يجوز فيها تحريك العينين
على الرغم من الأصل المتمثل في كراهة تحريك العينين والالتفات بهما، إلا أن الشريعة الإسلامية السمحة وضوابطها الفقهية تراعي الواقع والحاجات الطارئة. فهناك حالات معينة تنتفي فيها الكراهة، بل قد يصبح النظر أو تحريك العينين فيها جائزاً أو مطلوباً لحاجة معينة:
الحاجة الملحة أو الخوف: كأن ينظر الإنسان لمعرفة أمر يهمه أو يخشى منه ضرراً، مثل مراقبة طفل صغير قد يتعرض لخطر، أو دفع أذى عابر.
رد السلام بالإشارة: ورد في السنة جواز رد السلام بالإشارة باليد أو بالعين لمن كان في الصلاة، دون أن يخل ذلك باستقبال القبلة أو النطق بالكلام المحرّم.
دفع الشبهة أو الانتباه لطارئ: إذا حدث أمر يستدعي الانتباه في المسجد أو البيت ولم يجد بداً من رمشة عين أو نظرة سريعة دون التواء في الوجه.
(يتبع في الجزء الثاني تفصيل أحكام الالتفات بالوجه، والأدلة الإضافية، وأقوال المحققين في مراتب الكراهة، والفرق بين صلاة الفريضة والنبيذة في هذا الباب).
أما فيما يتعلق بالأحكام التفصيلية والآثار المترتبة على حركة العينين أثناء الصلاة، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن تحريك العينين أو الالتفت بهما دون استدارة الوجه يُعد من المكروهات في الصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟"، وشدد في ذلك حتى قال: "لينتهون أو لتخطفن أبصارهم".
درجات الحركة وحكمها الشرعي
يمكن تقسيم حركة العينين في الصلاة إلى حالات مختلفة تتفاوت أحكامها بناءً على المفسدات والآداب:
الالتفات اليسير بالعين: مكروه كراهة تنزيهية، ولا يفسد الصلاة، لكنه يُنقص من خشوعها وأجرها.
الالتفات المفرط أو المتكرر: إذا كان لغير عاجة، فإنه يكره بشدة لأنه ينافي الخشوع المطلوب ويخالف سنة الاستعداد التام للوقوف بين يدي الله عز وجل.
الالتفات بجميع الوجه: وهو تحويل الوجه كاملاً عن القبلة، وهذا إن كان لغير عاجة فهو مكروه أيضاً، أما إن استدار الوجه كلياً عن القبلة بطلت الصلاة عند جمهور الفقهاء.
"الخُشوع في الصلاة هو روحها ولبها، وكل ما يشغل المصلي عن الحضور القلبي والتدبر يقلل من ثوابه، وإن كانت الصلاة صحيحة فقهياً متى استوفت أركانها وشروطها."
استثناءات للضرورة والحاجة
يُغتفر للمصلي تحريك عينيه أو الالتفات يسيراً إذا دعت الحاجة الملحة إلى ذلك، ومن أبرز هذه الحالات:
الخوف والحذر: كالمرابط أو الحارس الذي يراقب مكاناً لحماية نفسه أو من معه.
النظر لحاجة طارئة: مثل دفع ضرر أو رؤية شيء قد يؤذي المصلي أو يقع أمامه.
الرد على حاجة: كالنظر إلى إشارة من شخص يحتاج إلى مساعدة عاجلة لا يمكن تفاديها.
ختاماً، ينبغي للمسلم أن يحرص على غض بصره في موضع سجوده، أو حصر نظره نحو القبلة، لضمان استحضار الخشوع والسكينة، والابتعاد عن كل ما يشوش صفو العبادة، لكي تنعكس الصلاة طمأنينة على قلب العبد وجوارحه.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.