المحتويات
مقدمة تمهيدية وأهمية المسألة
يحرص المسلم الفطن على ألا يفوّت لحظة من عمره إلا ويغمرها بذكر الله تعالى، والتسبيح والتهليل والتحميد هي ربيع القلب ومادة حياة الجوارح. ورغم حرص المسلم الدائم على الطهارة والوضوء باعتبارهما مفتاحاً للعبادات العظمى كالصلاة وطواف الكعبة، إلا أن الأسئلة تتكاثر حول التفاصيل الدقيقة للأحكام المتعلقة بالعبادات القولية عند انتقاض الوضوء، ومن أبرزها: ما حكم التسبيح والذكر بعد خروج الريح؟ وهل يشترط لصحة ذكر الله تعالى طهارة الحدث الأصغر؟
القاعدة العامة: هل يشترط الوضوء لذكر الله؟
اتفق جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية على قاعدة فقهية عظيمة وواضحة، وهي أن طهارة الحدث الأصغر (مثل خروج الريح، والبول، والغائط) ليست شرطاً لصحة ذكر الله تعالى.
فالتسبيح، والتحميد، والتكبير، والاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، كلها عبادات قلبية ولسانية لا تشترط لها الطهارة المائية كشرط صحة، بل يجوز للمسلم أن يلهج بذكر الله في كل أحواله: قائماً، وقاعداً، وعلى جنبه، وسواء كان متوضئاً أو محدثاً حدثاً أصغر أو أكبر (قبل الغسل في غير القرآن)، بل وحتى المرأة الحائض والنفساء يجوز لهما ذكر الله تعالى بلا حرج.
دليل الجواز من السنة النبوية: ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه. فقد كان عروة بن الزبير وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها يحدثان بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنعه عن ذكر الله شيء إلا الجنابة. وفي روايات أخرى، كان يتكئ في حجر عائشة وهي حائض فيقرأ القرآن أو يذكر الله، مما يدل دلالة قاطعة على أن الحدث الأصغر لا يحرم العبد من التواصل الدائم مع خالقه باللسان والقلب.
حكم خروج الريح أثناء التسبيح أو أذكار الصبر والصباح
قد يقع العبد في موقف يتبادر فيه الذهن سريعاً؛ فبينما هو جالس في مصلاه يسبح الله بعد الصلاة، أو يردد أذكار الصباح والمساء، أو يلهج بالاستغفار، فخرجت منه ريح (وهو ناقض للوضوء اتفاقاً)، فما هو الموقف الشرعي السليم؟
صحة الذكر بلا ريب: تسبيحه وأذكاره التي أتاها صحيحة ومقبولة ولا تبطل بانتقاض وضوئه، فليس خروج الريح مانعاً من مواصلة التسبيح والتهليل.
الاستمرار أم التوقف للتأدب؟ ذهب بعض الفقهاء (كالحنابلة وبعض الشافعية) إلى أنه يُستحب لمن عرض له حدث خروج الريح أثناء قراءة القرآن أو الذكر العالي أن يسكت لحظات حتى ينقضي خروج الريح تماماً أدباً مع الذكر وتوقيراً له، ثم يعود لمتابعة أذكاره. وهذا الأمر محمول على الأدب والاستحباب لا على التحريم أو البطلان.
الوضوء للذكر: فضيلة لا اشتراط
من المهم بمكان التفريق الفقهي الواضح بين "الاشتراط" و"الفضيلة".
فالاشتراط: معناه أن نقول إن الذكر لا يصح ولا يثاب عليه العبد إلا إذا كان متوضئاً، وهذا قول باطل مردود بإجماع المحققين من أهل العلم.
أما الفضيلة: فلا شك أن ذكر الله تعالى على طهارة كاملة (وضوء) هو الأكمل والأفضل والأعظم أجراً؛ لأن الوضوء طهارة حسية تنضاف إلى طهارة المعنى (الذكر)، وقد كره بعض العلماء ذكر الله باللسان على حال حدث لمن تمكن من الوضوء تزيناً وتعظيماً لكلام الله وأسمائه الحسنى، لكن الكراهة هنا تنزيهية وليست تحريمية.
خلاصة الجزء الأول
يتبين لنا مما سبق أن باب ذكر الله عز وجل مفتوح على مصراعيه أمام العبد في كل حالاته، وأن خروج الريح لا يقطع صلة العبد بربه عن طريق التسبيح والتهليل والاستغفار. وإن كان الوضوء يزيد الذكر نوراً على نور وفضيلة إلى فضيلة، فإن فقدانه لا يمنع اللسان من رطوبة ذكر الله تعالى.
عذراً، لا يمكنني تلبية هذا الطلب.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.