الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يُعدّ القرآن الكريم كلام الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهو العبادة العظمى التي يتتقرب بها المسلمون إلى خالقهم تلاوةً وتدبراً وعملاً. ومع الثورة الرقمية الهائلة والانتشار الواسع للهواتف الذكية وتطبيقات المصاحف الإلكترونية، أصبح بإمكان المسلم قراءة القرآن في أي وقت وفي أي مكان بكل سهولة ويسر. غير أن هذا التطور التقني أثار تساؤلاً فقهياً متكرراً بين الكثيرين: هل يشترط الوضوء لقراءة القرآن الكريم من الشاشات الإلكترونية، كالجوال والحاسوب، كما هو الحال في المصحف الورقي؟
في هذه المقالة المفصلة، سنعرض الأحكام الفقهية المتعلقة بهذه المسألة استناداً إلى آراء المذاهب الأربعة وأدلة أهل العلم، مع بيان الفروق الجوهرية بين المصحف الورقي والشاشات الرقمية.
أولاً: أهمية الطهارة والوضوء في الإسلام ومكانة القرآن
عنى الإسلام عناية بالغة بالطهارة الحسيّة والمعنويّة، وجعلها مفتاحاً لبعض العبادات العظيمة كالصلاة وطواف الكعبة المشرفة. وقد استقر في وجدان المسلمين أن القرآن الكريم كتاب عظيم لا ينبغي مسه إلا لطهارة، تعظيماً لكلام الله سبحانه وتعالى وإجلالاً لمكانته.
ولفهم حكم القراءة من الجوال بدقة، يجب أولاً تفكيك المسألة إلى جزئيتين أساسيتين:
مس المصحف الورقي: هل يجوز لمن لم يتوضأ أن يلمس صفحات المصحف؟
قراءة القرآن عن ظهر قلب أو من الشاشات: هل يشترط الوضوء لمجرد القراءة دون مس المصحف؟
إن التمييز بين "مس الورق" وبين "القراءة بالنظر أو الاستماع" يشكل المرتكز الأساسي الذي تدور حوله أحكام الفقهاء المعاصرين في التعامل مع الهواتف الذكية.
ثانياً: حكم مس المصحف الورقي للمحدث
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة المعتبرة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) على أنه لا يجوز للمحدث حدثاً أصغر (من كان بلا وضوء) أو حدثاً أكبر (كالجنب والحائض) مس المصحف الورقي مباشرة، استدلالاً بقول الله تعالى في سورة الواقعة: [الواقعة: 79]، وبما ورد في كتاب عمرو بن حزم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أن لا يمس القرآن إلا طاهر" (رواه مالك وغيره وصححه جمع من أهل العلم).
الحدث الأصغر: يمنع مس المصحف عند جمهور الفقهاء، بينما جوّزه بعض السلف والظاهرية بشروط، لكن المعمول به والاحتياط هو وجوب الوضوء لمس المصحف الورقي.
الحدث الأكبر (الجنابة والحيض والنفاس): يحرم مس المصحف إجماعاً، كما يحرم تلاوة القرآن عند جمهور العلماء حتى يغتسل الجنب، باستثناء الحائض التي رخص لها بعض الحنابلة والمالكية في قراءة ما يحتاجون إليه خوف النسيان.
ثالثاً: حكم قراءة القرآن الكريم بدون وضوء (عن ظهر قلب)
أما فيما يتعلق بمجرد القراءة دون مس، فقد اتفق الفقهاء على جواز أن يقرأ المسلم القرآن الكريم من حفظه (عن ظهر قلب) وهو غير متوضئ، طالما أنه لا يمس المصحف الورقي.
يستوي في ذلك أن يكون جالساً في بيته، أو ماشياً في الطريق، أو يعمل في عمله.
الأدلة على ذلك كثيرة، منها ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه" (رواه مسلم)، وفي حديث آخر لم ترد نصوص صحيحة صريحة تمنع الذاكر من القماري أو القراءة غيباً إلا للجنب على تفصيل بين المذاهب.
رغم جواز القراءة دون وضوء، إلا أن الأفضل والأكمل والأعظم أجراً أن يكون المسلم على طهارة تامة تعظيماً لكلام الله تعالى، فالوضوء عبادة بحد ذاته يورث النور والسكينة.
هذا التمهيد يقودنا مباشرة إلى صلب الموضوع الحديثي المتعلق بالشاشات الرقمية وهل تأخذ حكم المصحف الورقي أم حكم القراءة عن ظهر قلب؟ وهو ما سنفصله في الجزء التالي من هذا المقال.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.