المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة: مجالس الذكر ورياض الجنة في الأرض
تُعدّ مجالس الذكر والعلم في الإسلام من أعظم المحاضن الإيمانية التي ترتقي بالنفس البشرية، وتصل القلب بخالقه عز وجل. إنها تلك البقاع المباركة التي يجتمع فيها عباد الله متذللين، ذاكرين، شاكرين، مستغفرين، متدارسين لكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وقد أخبرنا النبي الكريم أن هذه المجالس هي رياض الجنة في الأرض، حيث تنزل عليها السكينة، وتغشاها الرحمة، وتحفها الملائكة، ويذكرهم الله فيمن عنده.
وفي خضم هذه الأجواء الروحانية العطرة، يتساءل الكثير من المسلمين عن منزلة الدعاء والاستجابة فيها؛ فهل لمجالس الذكر خصوصية تجعل الدعاء فيها أقرب للإجابة؟ وهل يرتجي الذاكرون قبول دعواتهم ومسالتهم وهم جلوس يذكرون الله؟ هذا ما سنفصله في هذا المقال بعون الله، مستندين إلى الأدلة من القرآن والسنة وأقوال أهل العلم.
المفهوم الشرعي لمجالس الذكر
تعريف الذكر الشامل
الذكر في الاصطلاح الشرعي لا يقتصر على تسبيح اللسان أو تهليله فحسب، بل هو مفهوم واسع يشمل:
تلاوة القرآن الكريم: تدبراً وتفهماً لكلام الله عز وجل.
مجالس العلم الشرعي: مدارسة أحكام الحلال والحرام، ومعرفة صفات الله وأسمائه الحسنى.
الاستغفار والدعاء والابتهال: إظهار الحاجة والافتقار إلى الله تعالى.
الجلوس للتعارف في طاعة الله: وتواصٍ بالحق والصبر.
فضل هذه المجالس في النصوص النبوية
وردت أحاديث صحيحة عديدة تبين عظم قدر مجالس الذكر، ومن أصحها ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنهما شهدا على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده". هذا الحديث الشريف يضع اللبنة الأساسية لفهم مكانة الذاكرين؛ فكون الله يذكرهم في الملأ الأعلى، وكون الملائكة تحفهم، لهو أكبر دليل على قبولهم ورضا مولاهم عنهم.
الأدلة على استجابة الدعاء في مجالس الذكر
عندما يجتمع المسلمون على ذكر الله، فإنهم يدخلون في زمرة العباد المخبتين، وهناك ارتباط وثيق بين استجابة الدعاء وحضور هذه المجالس المباركة، ويظهر ذلك جلياً من خلال عدة وجوه:
1. بركة حضور الملائكة
الملائكة الكرام مخلوقات نورانية مستجابة الدعوة مقربة عند الله. وحين تحف الملائكة مجالس الذكر، فإنهم يؤمنون على دعاء الحاضرين، ويستغفرون لهم، ودعاء الملائكة للمؤمنين مستجاب بإذن الله تعالى. فقد ورد في الحديث الصحيح أن دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، فما بالك بدعاء الملائكة الأطهار لمن جلس يذكر الله تعالى؟
2. تنزل الرحمة والسكينة
السكينة والرحمة إذا حلتا في مكان أزالتا عنه الهموم وفتحتا أبواب السماء. والداعي في بيئة غشيتها الرحمة ونزلت عليها السكينة يكون أقرب إجابة، لأن قلبه يكون خاشعاً منيباً، والخشوع والإنابة هما جماع شروط إجابة الدعاء.
3. اجتمعت شروط الإجابة
يقول أهل العلم إن مجالس الذكر غالباً ما تتضمن اجتماعاً للقلوب على طاعة الله، والبكاء من خشية الله، والصدق في التوجه إليه، وكلها من الموانع لرد الدعاء وموجبات قبوله.
أثر الذكر على طهارة القلب وقبول الدعاء
إن القلب الغافل لا يُستجاب دعاؤه كما يُستجاب دعاء القلب الحاضر الوجل. ومجالس الذكر تعمل بمثابة المصفاة للقلوب؛ فهي تُذهب قسوتها، وتجلو صدأها، وتملؤها باليقين. والداعي وهو جالس في مجلس ذكر يكون قد مهّد لدعائه بطاعة جليلة (وهي ذكر الله)، والتوسل بالأعمال الصالحة من أعظم أسباب قبول الدعاء، كما في قصة أصحاب الغار الذين توسلوا إلى الله بأعمالهم الخالصة فاستجاب لهم وخرجوا من كربهم.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.