المحتويات
تُعد مسألة خلق الكون والأرض والسموات من الموضوعات الكبرى التي حظيت باهتمام بالغ في التراث الإسلامي عامة، وفي الفكر الإمامي (الشيعي) خاصة. وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة نظراً لتعلقها بتفسير النصوص القرآنية المظاهرة، والأحاديث الواردة عن النبي الأكرم أهل بيته الأطهار (عليهم السلام)، والتي تقدم رؤية كونية وفلسفية متكاملة تتجاوز البعد الزمني البحت إلى أبعاد تكوينية وعقائدية عميقة.
1. الإطار القرآني وتعدد الدلالات الزمنية
عند التطرق إلى مدة خلق الأرض والسموات، تبرز في القرآن الكريم آيات مباركات تشير إلى أرقام متفاوتة؛ فأحياناً يُذكر الخلق في ستة أيام، كما في قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام) [سورة الأعراف: 54]، وأحياناً يُفصل الخلق في آيات سورة فصلت ليُشير إلى تقدير أقواتها في أربعة أيام، وتمام السموات في يومين آخرين، ليصبح المجموع ثمانية أيام بحسب ظاهر بعض التفاسير، أو ستة أيام إجمالاً بحسب التحديد العام.
وهذا الاختلاف الظاهري بين الآيات أثار نقاشاً واسعاً بين المفسرين والمتكلمين عبر التاريخ الإسلامي. وفي المدرسة الشيعية الإمامية، كان للتوجه العقائدي المبني على آيات المحكم والمتشابه، والرجوع إلى الروايات الواردة عن أهل البيت، منهج خاص في فهم وتوفيق هذه الدلالات.
اليوم الإلهي (الدهر والزمن النسبي): يذهب محققو علماء الشيعة إلى أن "اليوم" في لغة القرآن لا يراد به بالضرورة اليوم الشمسي المعاصر المكون من أربع وعشرين ساعة، بل يُقصد به "المرحلة" أو "الحقبة الزمنية" أو "الطور التكويني".
تقدير الله ومشيئته: إن الخلق الإلهي لم يكن عاجزاً أو محتاجاً إلى مدة زمنية بالمعنى المادي، بل جاء التعبير بـ "الستة أيام" لحكمة إلهية تتعلق بالتدرج في إظهار النظام الكوني، ولتعليم الإنسان التأني والنظام في شؤون الحياة.
2. منهج أهل البيت (ع) في تفسير آيات الخلق
تميزت المدرسة الإمامية باعتمادها المطلق على تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير النصوص بالمرويات الصحيحة الصادرة عن النبي وعترته الطاهرة (عليهم السلام). وفيما يتعلق بمسألة "كم يوم خلق الله الأرض"، فقد وردت روايات عديدة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) توضح تفاصيل هذه المراحل.
أ. الروايات الواردة عن الأئمة (ع)
تشير المصادر الروائية المعتبرة عند الشيعة الإمامية، مثل كتاب التفسير الكبير للقمي، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي، وغيرهما، إلى أن خلق الأرض والسموات جرى وفق تدبير محكم. فعلى سبيل المثال، روي عن الإام محمد الباقر أو الإمام جعفر الصادق (عليهم السلام) تفصيلات حول بدء خلق الأرض قبل السموات، ثم خلق السموات في مراحل متلاحقة.
الأرض أولاً: تؤكد الروايات أن الله تعالى خلق الأرض ومياهها قبل خلق الكواكب والسموات، ثم دحاها وبارت فيها المنافع.
الأيام الستة: تُفسر الأيام الستة في الروايات الإمامية على أنها ست مراحل كبرى (أو ستة أطوار خلقية)، كل مرحلة تشهد تحولاً جذرياً في بنية الكون، بدءاً من المادة الأولى (الهيولى أو الدخان الكوني) وصولاً إلى استقرار الأرض وصلاحيتها للحياة البشرية.
3. الفرق بين الحساب البشري والحساب الإلهي
نقطة ارتكاز جوهرية في الفكر الإمامي تتعلق بطبيعة الزمن قبل خلق الكواكب والنجوم. فاليوم الذي نعرفه اليوم (ليل ونهار، دوران الأرض حول محورها وحول الشمس) لم يكن متحققاً بالضرورة في المراحل الأولى لخلق الأرض ذاتها.
حقيقة زمنية: يقرر علماء الكلام والفلاسفة المسلمون من مدرسة الإمامية أن الزمن بمعناه الفلكي الحالي هو وليد الحركة الوضعية للأجرام السماوية. وقبل خلق السموات والشمس والقمر، كان تقدير "الأيام" جارياً بحسابات الملكوت الإلهي لا بحسابات الساعات الدنيوية.
لهذا السبب، فإن السؤال عن عدد الأيام عند الشيعة لا يُجاب عنه برقم مجرد فحسب، بل يُقرن دائماً بالمعنى التكويني والمراحل الكبرى التي مر بها الكون وصولاً إلى النفخة البشرية واستخلاف الإنسان على وجه الأرض.
4. البعد العقائدي والفلسفي لخلق الأرض في ستة أيام
لماذا خلق الله الأرض والسموات في ستة أيام ولم يخلقها في "كن فيكون" دفعة واحدة؟ هذا السؤال الفلسفي العميق ناقشه كبار علماء الشيعة، مثل ملا صدرا الشيرازي في تفسيره الفلسفي، والسيد الطباطبائي في تفسيره الميزان.
مظاهر الحكمة الإلهية: التدريج في الخلق يظهر كمال القدرة الإلهية من خلال إحكام الصنعة وترابط الأسباب والمسببات. فكل مرحلة تُمهد للمرحلة التي تليها، مما يعكس النظام الكوني الدقيق.
الاعتبار الإنساني: تذكير الإنسان بأن بناء الحضارات وصلاح الأمور يحتاج إلى سنن جارية وتدرج وحكمة، فالكون لم يُبنى عبثاً بل وُجد له غاية كبرى تتمثل في عبادة الله ومعرفته.
إكمالاً للبحث المعمق حول هذا الموضوع العقائدي والفقهي، يُعد تحديد مدة خلق السماوات والأ الأرض في الروايات المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) موضع اهتمام بالغ لدى علماء الإمامية والمفسرين. فبينما تشير الآيات القرآنية الظاهرة إلى خلق العالم في ستة أيام، فإن التفاسير الشيعية تأخذ بعين الاعتبار البعد المعنوي والرمزي للفظ "اليوم" في هذا السياق، إضافة إلى الاعتبارات الكلامية التي تتعلق بقدرة الله المطلقة التي لا تحتاج إلى زمن أو تدريج.
التفاسير الروائية والرمزية لليوم الإلهي
في المصادر الحديثية المعتبرة، مثل بحار الأنوار للعلامة المجلسي وتفسير القمي، يُشار أحياناً إلى أن "اليوم" في بداية الخلق لا يعنى بالضرورة الأيام الشمسية أو القَمرية المعتادة التي نعرفها اليوم، والتي نشأت أساساً بعد خلق حركة الكواكب والأجرام السماوية. بل يُفسر غالباً بأنه "مراحل" أو "أطوار" خلقية إلهية، يمثل كل طور منها حقبة زمنية طويلة جداً بمقاييس البشر، استناداً إلى الآيات الكريمة التي تشير إلى أن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون، أو كخمسين ألف سنة.
وتؤكد المدارس الفكرية الشيعية أن الخلق الإلهي تم بحكمة وتدريج لغايات تربوية وتكوينية، وليست العجلة صفةً للقدرة الإلهية، رغم قدرة الباري عز وجل على الخلق الفوري بقوله "كن فيكون". إن هذا التدريج يبرز بديع الصنعة ودقة النظام الكوني المتكامل.
الخاتمة والتوجه المعرفي
ختاماً، إن النظرة الشيعية لخلق الأرض والسماوات توازن بين النصوص القرآنية المحكمة وبين الروايات التفسيرية الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام)، بعيداً عن الغلو أو التعطيل. ويبقى الهدف الأساسي من استعراض هذه المسائل هو تدبر آيات الله في الكون والوصول إلى المعرفة الحقة بقدرة الخالق وعظمته، مع ترك تفاصيل الكيفية والزمن الدقيق إلى علم الله الباطن الذي لا يُحيط به إلا هو.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.