يُعدّ البحث في الذات الإلهية ومفهوم التوحيد في الفكر الإسلامي عموماً، وفي المدرسة الإمامية (الشيعية) خصوصاً، أحد أعمق المباحث العقدية والفلسفية التي شغلت أساطين الفكر والكلام. فعلى مدار قرون طويلة، انكبّ علماء الشيعة، متأثرين بتعاليم أئمة أهل البيت عليهم السلام، على صياغة رؤية متكاملة تتجاوز المفاهيم السطحية للتجسيم والتشبيه، وتؤسس لفهم توحيدي دقيق يجمع بين التنزيه المطلق والإثبات العقلاني للأسماء والصفات.
وفي هذا الجزء الأول من المقال، سنغوص في الجذور التأسيسية لمفهوم الخالق في الفكر الشيعي، مسلطين الضوء على مرجعيات المعرفة الإلهية، ومعنى التوحيد الخالص، وكيفية تعامل المدرسة الإمامية مع إشكالية الصفات الإلهية.
1. مرجعيات المعرفة الإلهية: العقل والوحي
تقوم المعرفة الإلهية في الفكر الشيعي على ركيزتين أساسيتين ومتكاملتين: العقل المستقل والنص المعصوم (المتمثل في القرآن الكريم وما صحّ من سنة النبي وأهل بيته). لا يرى الفكر الشيعي تناقضاً بين العقل والدين، بل يُعتبر العقل البشري هو الحجة الباطنة التي بها يُعرف الله، بينما يأتي الوحي والحفظ النبوي والإمامي ليُفصّل ويُدقق ما قد يعجز العقل عن إدراكه تفصيلاً، لا سيما في كنه الذات الإلهية.
وقد ورد في نهج البلاغة، الذي يُعدّ مصدراً أساسياً من مصادر المعرفة العقدية عند الشيعة، عن الإام علي بن أبي طالب عليه السلام: "أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده". هذا النص يضع المعرفة في صدارة الواجبات الدينية، شريطة أن تكون معرفة تنزيهية خالية من الشوائب المادية.
2. التوحيد الخالص: نفي التشبيه والتجسيم
الركيزة الكبرى في العقيدة الإلهية عند الشيعة هي التوحيد الذاتي والصفاتي والأفعالي. ويُقصد بالتوحيد الذاتي أن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له في ذاته، ليس كمثله شيء، وهو منزّه عن الحدود والأعراض والمكان والزمان.
أ. استحالة رؤية الله بالعين البصرية
من أبرز المسائل التي تفردت بها المدرسة الإمامية بناءً على نصوص أهل البيت، هي استحالة رؤية الله سبحانه وتعالى بالعين البصرية في الدنيا أو الآخرة. ويرون أن الرؤية البصرية تستلزم الجهة والمكان والمحدودية، وكل ما كان محدوداً فهو مخلوق محتاج. وقد جاء في الاحتجاج للطبرسي وغيره مناظرات عديدة للإمام الرضا عليه السلام يقرر فيها هذا المعنى ببراهين عقلية ونقلية دقيقة، مؤكداً أن الأبصار لا تُدركه وهو يُدرك الأبصار.
ب. نفي التجسيم
رفض علماء الشيعة قاطعةً أيَّ توجهات تجسيمية (مشبهة)، مؤكدين أن إطلاق صفات مثل اليد، والوجه، والاستواء على العرش في النصوص الدينية، يجب أن تُحمل على معانيها المجازية اللائقة بالذات الإلهية الكريمة، كاليد بمعنى القدرة أو النعمة، لا الجارحة المادية. وقد عُرف عن أئمة أهل البيت تشديدهم البالغ في تكذيب من ينسبون لله الجسم أو الصورة، واعتبروا ذلك طعناً مباشراً في حقيقة التوحيد المطلق.
3. مسألة الصفات الإلهية: الذات والعين
أثار علم الكلام الإسلامي مبكراً إشكالية صفات الله عز وجل، وهل هي زائدة على الذات أم هي عين الذات؟
المدرسة الإمامية: سارت على خطى التنزيه المحض، فذهبت إلى أن صفات الله تعالى (كالقدرة، والعلم، والحياة) ليست أعراضاً زائدة على ذاته المقدسة، بل هي عين ذاته.
المعنى العملي: عندما نقول "الله عليم" و"الله قادر"، فهذا لا يعني أن هناك ذاتاً وهناك صفة عُلْم مستقلة عن الذات كحال المخلوقين، بل ذاته المقدسة من حيث هي عالمة وقادرة. فالعلم والقدرة متطابقان مع حقيقة الذات الإلهية غير المركبة.
هذا الفهم يمنع الوقوع في محذور "تعدد القدماء"، ويثبت وحدانية الله عز وجل توحيداً تاماً لا شائبة فيه للتركيب أو الكثرة.
What is HTML?
HTML stands for HyperText Markup Language. It is the standard programming/markup language used to create and structure web pages and applications. Think of HTML as the skeleton or blueprint of a website—it tells the web browser how to display text, images, links, and other elements.
How can I help you with HTML today?
Learn the Basics: Get an introduction to basic tags, elements, and document structure.
Build a Webpage: Write your very first simple HTML page from scratch.
Styling & Behavior: Learn how HTML connects with CSS (for design) and JavaScript (for interactivity).
Let me know what you'd like to dive into first!
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.