المحتويات
هل صحيح أن النبي محمد مات مسموماً؟
تُعدّ قضية وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من المسائل التاريخية والعقدية التي نالت اهتماماً بالغاً من قبل المحدثين، والمؤرخين، وعلماؤنا الأجلاء. فبين النصوص الصحيحة التي تثبت تناول النبي صلى الله عليه وسلم للشاة المسمومة يوم خيبر، وبين ما أُثِر عن مرضه الأخير، تتسارع الأسئلة حول حقيقة هل كان السم سبباً مباشراً في وفاته، وكيف يتسق ذلك مع معجزة العصمة الإلهية؟
أولاً: قصة الشاة المسمومة في غزوة خيبر
تذكر كتب السيرة النبوية الصحيحة، وفي مقدمتها صحيحا البخاري ومسلم، أن امرأة يهودية تُدعى زينب بنت الحارث (زوجة سلام بن مشكم) أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مشوية بعد أن فتح الله عليه حصون خيبر في السنة السابعة للهجرة. وكانت قد سألت أي جزء من الشاة يحب النبي أكثر؟ فقيل لها: الذراع، فأسرفت في وضع السم فيها لأنها كانت مسمومة ومستهدفة.
أقبل النبي صلى الله عليه وسلم ومعه بعض أصحابه، فتناول لقمة من الذراع، لكن الله عز وجل أطلع نبيه وأخبره بطريقة معجزة، حيث نطق الطعام نفسه ليحذره؛ فقد جاء في الروايات أن الذراع قالت له: "إني مسمومة". فلفظها النبي صلى الله عليه وسلم فوراً، وقال لمن معه: "ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة".
ثانياً: مصير من أكل مع النبي صلى الله عليه وسلم
لم ينجُ كل من أكل من تلك الشاة بنفس الدرجة التي كُتبت بها النجاة المؤقتة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أكل الصحابي الجليل بشر بن البراء بن معرور رضي الله عنه منها لقمة، فما إن ابتلعها حتى مات في الحال.
أما النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حميناه وعصمه الله من الموت الفوري لتستمر رسالته ويبلغ الأمانة كاملة. وحين جيء بالمرأة اليهودية وسألها النبي عن سبب فعلتها، قالت: "أردت إن كنت كاذباً أن أريح الناس منك، وإن كنت نبياً لم يضرك". فصفح عنها النبي صلى الله عليه وسلم في البداية ولم يقتلها حتى توفي بشر بن البراء فقتلته قصاصاً (في بعض الروايات).
ثالثاً: الارتباط بين سم خيبر ومرض الوفاة
المحور الأساسي للنقاش العلمي يكمن في قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والذي ثبت في صحيح البخاري، حيث قالت عن مرض وفاته صلى الله عليه وسلم:
"كان النبی صلى الله علیه وسلم یقول في مرضه الذي مات فیه: يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم".
(والأبهر هو عرق عظيـد متصل بالقلب، يقال إنه إذا انقطع مات الإنسان).
هذا النص الصحيح جعل جماهير أهل العلم والمحققين يذهبون إلى أن أثر ذلك السم الباقي في الجسد الشريف قد تفاعل مع مرور السنوات، ليقضي الله أن يجمع له مع أجر النبوة والرسالة أجر الشهادة، حيث توفي صلى الله عليه وسلم متأثراً بتلك الأكلة بعد نحو ثلاثة أعوام من وقوعها.
رابعاً: البعد العقدي والرد على الشبهات
يثير بعض المشككين تساؤلات حول كيفية إذن الله بتعرض نبيه للسم إذا كان الله قد وعده بالعصمة في قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس}.
يجيب علماء العقيدة بأن الآية نزلت لتبين العصمة من القتل العام الذي يستهدف إبطال الدعوة قبل تمامها، وقد تحقق ذلك؛ فلم تستطع قريش ولا اليهود قتله حتى أتمَّ تبليغ الدين كاملاً. أما تأثره بالسم بعد ثلاث سنوات، فجاء لحكمة إلهية بالغة، منها:
إظهار معجزة تكليم الطعام له (الذراع المسمومة).
نيله مرتبة الشهادة العالية إلى جانب خصائص النبوة.
تأكيد بشريته صلى الله عليه وسلم وأنه يصيبه ما يصيب البشر من الآلام والأمراض.
الخاتمة والجمع بين الروايات: كرامة النبوة ومنزلة الشهادة
ممّا سبق تحقيقه في التراث الحديثي والتاريخي، يتضح جليّاً أن القضية لا تخرج عن كونها تضافراً لحكمتين إلهيتين عظيمتين: إثبات النبوة، وإكرام النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة. فمن الناحية العلمية والعقدية، ذهب جمهور المحققين من أهل السُّنة -كابن حجر العسقلاني وغيره- إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي متأثراً بأثر السم الذي تناولته يده الشريفة في شاة خيبر المسمومة قبل ثلاث سنوات من وفاته.
ولكن كيف يُفهم بقاء أثر السم طوال هذه المدة دون أن يودي بحياته فوراً؟ الجواب يكمن في المعجزة الإلهية؛ فقد حفظ الله تعالى نبيه وحماه في حينه لكي يكمل تبليغ الرسالة وأداء الأمانة، فلم يقاتله السم فوراً. وحين حان الأجل المحتوم واختار النبي صلى الله عليه وسلم ما عند الله والرفيق الأعلى، أذن الله تعالى لأثر ذلك السم أن يتجدد نشاطه في جسده الشريف، ليجمع الله له بين الفضلين: فضل الطبيعة البشرية والموت العادي، وفضل الشهادة في سبيل الله.
وهنا يبرز التنسيق البليغ بين الروايات التي تشير إلى مرضه الأخير واشتداد الألم عليه، حيث كان يقول في مرضه الذي مات فيه: (يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهرِي من ذلك السم). والأبهر هو عرق متصل بالقلب، قطعه السم في تلك اللحظات الحاسمة.
بهذا يرتفع أي تعارض موهوم بين الآيات والنصوص؛ فالله عصمه من كيد اليهود وقتلهم له ابتداءً، لكنه أدركه أثر السم اختياراً وتشريفاً ليرتقي شهيداً. وتلك غاية ما يتمناه الأنبياء والصديقون، لتكتمل سيرة العطاء النبوي بخاتمة مشرفة تليق بمقام الرسالة الخالدة.
هل تود التعرف على تفاصيل حادثة خيبر وكيف تفاعل الصحابة رضوان الله عليهم مع زينب بنت الحارث بعد اعترافها بدس السم؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.