المحتويات
تعتبر السيرة النبوية العطرة وتفاصيلها التاريخية من أكثر الموضوعات عنايةً ودقةً في التاريخ الإسلامي؛ نظراً لارتكاب الأحداث الكبرى المرتبطة بها على أيدي جيل الصحابة الذين حفظوا كل شاردة وواردة. ويأتي في مقدمة هذه الأحداث وأعظمها وقْعاً في نفوس المسلمين، حدث وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي مثّل تحولاً جذرياً في مسار الدولة الإسلامية والأمة جمعاء.
في هذا المقال التفصيلي، سنغوص في أعماق المصادر التاريخية والحديثية الموثقة لبيان الزمن الدقيق لوفاة النبي الكريم، والسياق الزمني الذي أحاط بهذا الحدث الجلل، مع استعراض الأقوال الواردة وتفنيدها وفق المنهج العلمي التاريخي الرصين.
الإطار الزمني العام: سنة الوفاة واتفاق المؤرخين
لا توجد شبهة أو خلاف معتبر بين علماء السيرة والمؤرخين المسلمين في أن وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقعت في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة (11 هـ). وقد وافق هذا العام ما يقارب شهر يونيو/حزيران من عام 632 ميلادية.
لقد جاءت هذه الوفاة بعد إتمام رسالته وبلاغه المبين، وتحديداً بعد حجة الوداع التي أُقيمت في ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، حيث نزلت الآية الكريمة: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً). ومنذ عودته عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة المنورة، بدت علامات المرض الشريف تظهر عليه في أواخر شهر صفر وبداية ربيع الأول من العام التالي.
تحديد اليوم والشهر بدقة: الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول
تعددت الروايات التاريخية المروية عن الصحابة والتابعين في تحديد اليوم المعين من شهر ربيع الأول الذي فارق فيه النبي صلى الله عليه وسلم الحياة الدنيا، ورغم هذا التعدد، فإن الجمهور الأعظم من أهل السيرة والمحدثين يستقرون على تاريخ محدد تشهد له القرائن والسياقات.
1. الرواية المشهورة (اليوم الثاني عشر)
القول الأشهر والأكثر تداولاً بين كتب السيرة النبوية والمؤرخين المتأخرين (مثل ابن إسحاق وابن هشام وابن كثير) هو أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول في السنة الحادية عشرة للهجرة.
يوم الاثنين: وهو اليوم الذي ولد فيه عليه الصلاة والسلام، وفيه هاجر من مكة إلى المدينة، وفيه توفي أيضاً، مما يضفي دلالة زمانية عميقة ومباركة.
عمر النبي صلى الله عليه وسلم: اتفق العلماء على أن عمره الشريف بلغ ثلاثاً وستين سنة قمرية (وذلك باعتبار اعتماده على التقويم الهجري القمري، حيث تشير بعض الروايات إلى ستين أو خمساً وستين وفق اعتبارات تقويمية مختلفة، لكن الراجح والمعتمد عند الجمهور هو ثلاث وستون).
2. الروايات الأخرى حول اليوم
إلى جانب قول الثاني عشر من ربيع الأول، توجد روايات أخرى مبكرة نقلها بعض المؤرخين والعلماء، منها:
ما نقل عن بعض السلف أن الوفاة كانت في النصف من ربيع الأول أو في أيامه الأولى.
لكن المحققين من علماء الحديث والتاريخ يرجحون قول الثاني عشر لتوارد العديد من الشواهد التاريخية والحسابية عليها، ولتلقّي الأمة لها بالقبول عبر القرون المتعاقبة.
السياق التاريخي قبيل الوفاة: مرض الموت
بدأت إرهاصات مرض النبي صلى الله عليه وسلم في أواخر شهر صفر من سنة 11 هـ، وذلك عقب عودته من زيارة مقبرة البقيع ليلاً والدعاء لأهلها. وقد استمر هذا المرض الشريف قرابة ثلاثة عشر يوماً أو أربعة عشر يوماً، قضاها في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بناءً على رغبته واستئذانه من بقية نسائه.
في أيام المرض الأخيرة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على الخروج لصلاة الجماعة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، حتى إنه خرج متوكئاً على الفضل بن العباس وعلى علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ليصلي بالناس أو ليجلس إلى جانب أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين أمَّ الصديقُ المسلمين بأمرٍ من النبي صلى الله عليه وسلم.
تفاصيل الساعات الأخيرة والآثار العميقة لوفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم
في الجزء الأخير من رحلة السيرة النبوية العطرة، اشتدت مرض النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث كان يمرض شديداً ويقاسم الحمى. ومع تدهور حالته الصحية، أذن لأبي بكر الصديق رضي الله عنه أن يؤم المسلمين في الصلاة، وهو المشهد الذي عكس استقرار الدولة الإسلامية وجاهزيتها للقيادة بعد رحيل الرسول الكريم. وفي صبيحة يوم الإثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول في العام الحادي عشر للهجرة، كشف الحجاب عن حجرة عائشة ونظر إلى المسلمين وهم في صلاة الفجر، فتبسم فرحاً بما يراه من استقامتهم على الدين.
لحظات الانتقال إلى الرفيق الأعلى
عند اشتداد سكرات الموت، كانت عائشة رضي الله عنها تسنده وتقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان, في لحظاته الأخيرة، يمد يده إلى إناء فيه ماء فيمسح به وجهه ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات". ثم فاضت روحه الطاهرة وهو مسند إلى صدور أهله، ليلتحق بالرفيق الأعلى الذي طالما تاقت روحه الشريفة إليه. وقد أحدث هذا الخبر الصاعق صدمة كبيرة بين الصحابة رضوان الله عليهم؛ فمنهم من أذهله الخبر حتى أنكر وفاته في البداية كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، لبروزه كرمز للبقاء والقوة في نفوسهم.
موقف الصديق الحازم وتوحيد الأمة
في هذه اللحظة الحرجة والفارقة من تاريخ الإسلام، أظهر أبو بكر الصديق رضي الله عنه حكمة بالغة وثباتاً راسخاً. فدخل على النبي وكشف الغطاء عن وجهه وقبله، ثم خرج إلى المسلمين وخطب فيهم الخطبة التاريخية الشهيرة التي ثبتت أركان الأمة وأزالت الحيرة والاضطراب، حيث قال:
"ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت".
وتلا قول الله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلفت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} [آل عمران: 144]. عندها استقر اليقين في نفوس الصحابة، وأدركوا أن الرسالة باقية ومستمرة، وأن عبادة الله هي الغاية الخالدة.
تلا ذلك انشغال الصحابة بتجهيز الجسد الشريف وغسله وتكفينه والصلاة عليه أفراداً دون إمام، ثم دفنه في نفس الحجرة التي توفي فيها في بيت عائشة رضي الله عنها، ليظل مرقده الشريف محط إجلال وإكبار المسلمين عبر العصور، ومثالاً حياً على كمال الرسالة وتمام البلاغ.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.