المحتويات
يُعدّ موضوع وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والأسباب المحيطة بمرضه الأخير من أكثر المسائل التي شغلت علماء السيرة النبوية والمفسرين وأهل الحديث. ومع كثرة التساؤلات والشبهات التي تُثار بين الحين والآخر حول حقيقة هذه الوفاة، يبرز السؤال الملحّ: هل كان السحر هو سبب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؟
للإجابة عن هذا التساؤل بدقة علمية وموضوعية تليق بمكانة النبوة، لا بد من تفكيك الإشكالية إلى محورين أساسيين: المحور الأول يتعلق بقصة السحر الثابتة في الصحيحين، والمحور الثاني يتعلق بسبب الوفاة الحقيقي المرتبط بغزوة خيبر وتأثير السم، مع بيان الفارق الشرعي والعلمي بين الأمرين.
أولاً: واقعة السحر في السنة النبوية.. الثبوت والحدود
تفيد النصوص الصحيحة، وفي مقدمتها ما ورد في صحيح البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سُحِر من قبل يهودي يُدعى لبيد بن أعصم، حتى إنه كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، أو أنه أتى نساءه ولم يأتهن.
وهنا تظهر أولى النقاط الجوهرية التي يؤكد عليها المحققون من أهل العلم:
طبيعة التأثير: إن السحر الذي أصاب النبي صلى الله عليه وسلم كان عارضًا بشريًا وعارضا جسديا ونفسيا مؤقتًا، وقد اقتصر أثره على بعض الأمور الدنيوية والظاهرية الخاصة ببدنه أو إدراكه لبعض الأفعال العادية، ولم يمتد بأي حال من الأحوال ليطال أصل الوحي أو تبليغ الرسالة أو العصمة في الأحكام الشرعية.
تمام العصمة الإلهية: لقد عصم الله تعالى نبيه من أن يؤثر السحر في عقله أو في تلقي الوحي وتبليغه للناس، مصداقاً لقوله تعالى: (والله يعصمك من الناس). فالقول بأن السحر أدى إلى اختلال في نبوته مردود باطلاً، بل إن الله عز وجل قد أنزل المعوذتين (سورة الفلق وسورة الناس) رقية شفاء، ودلّ نبيه على مكان السحر في بئر ذي أروان فأُستخرج وأُبطِل، وتماثل النبي صلى الله عليه وسلم للشفاء التام من ذلك العارض قبل سنوات من وفاته.
ثانياً: السم في خيبر.. الأثر الممتد ونهاية الأجل
يربط البعض خطأً بين حادثة السحر وبين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، متجاهلين الواقعة التاريخية الأخرى الأكثر ارتباطًا بمرض الموت، وهي حادثة الشاة المسمومة في خيبر.
أكل الشاة المسمومة: عندما فتحت خيبر، أهدت امرأة يهودية (زينب بنت الحارث) شاة مصليّة مسمومة للنبي صلى الله عليه وسلم، فأكل منها لقمة ومضغها ولم يبلعها، ثم أخبره الله أن الكتف مسمومة فلفظها، بينما توفي الصحابي بشر بن البراء بن معرور رضي الله عنه لأنه بلع منها شيئًا.
شهادة النبي على فراش الموت: ظلّ أثر ذلك السم كامناً في جسد النبي صلى الله عليه وسلم طوال السنوات الثلاث اللاحقة لفتح خيبر، حتى أتى مرض الموت في السنة الحادية عشرة للهجرة. وحينها صرّح النبي صلى الله عليه وسلم لـ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قائلاً: «يا عائشة، ما أزلتُ أجد ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوانُ انقطاع أبهري» (الأبهر هو العرق العظيم المتصل بالقلب).
من هذا الأثر الصحيح، استخلص جمهور العلماء والمحدثين أن النبي صلى الله عليه وسلم مات شهيداً متأثراً بأثر السم الذي تناولته ذراعه في خيبر، ليجمع الله له بين نبوة الرسالة ومقام الشهادة العظيم.
الخلاصة التحليلية في هذا الجزء
بناءً على المعطيات العقدية والتاريخية السابقة، يتضح جلياً أن السحر ليس هو سبب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد وقع السحر وانتهى أثره وشفي منه النبي تماماً بتوفيق من الله ورقيته، بينما كان سبب الوفاة العضوي هو تداعيات السم الذي دبرته اليهودية في خيبر والذي ظهرت حِدّته وعلائمه الكبرى ساعة احتضاره صلى الله عليه وسلم.
الخلاصة بين السحر والسم: الحقيقة النبوية
عند إغلاق دائرة البحث والتحقيق حول العلل التي سبقت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، يبرز الفارق جلياً بين ما ورد في الروايات الصحيحة بشأن حادثة السحر التي تعرض لها في المدينة وخفت أثرها تماماً بإذن الله، وبين حادثة السم في خيبر.
فأما قصة السحر، فقد ثبتت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث أثر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور الظاهرية المعتادة حتى عافاه الله ورقي منه بالمعوذات، ولم يكن سبباً في وفاته البتة، إذ انتهى الأمر تماماً واستعاد صحته وحيويته، وبلغ الرسالة وأدى الأمانة تامّةً كاملة.
وأما السبب الحقيقي للوفاة على فراش المرض، فقد حسمته النصوص الصريحة والتحقيق العلمي التاريخي بالتكامل مع الأثر المتبقي من الشاة المسمومة التي أكل منها بخيبر. فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرضه الذي مات فيه: (ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان قطع أبهري). ومن هنا ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الله له بين ميزتي النبوة والشهادة، إذ مات متأثراً بتلك الأكلة المسمومة بعد سنوات، لتكون وفاته على فراشه نهاية مشرفة لمسيرة الجهاد والتضحية.
وعليه، فإن الاعتقاد بأن السحر كان سبباً للوفاة هو قول خاطئ لا أصل له في المعتقد الصحيح، فالسحر عوفي منه تماماً، بينما كانت الحمى الشديدة وأثر السم هما اللذين أفضيا إلى وفاته، ليختم الله حياته الشريفة باجصاح البلاغ وتمام النعمة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.