مقدمة هازّة للقلوب وموقع الجلل

لم تعرف الإنسانية عبر تاريخها الطويل لحظة أشد وقعاً، ولا أعظم أثراً، ولا أعمق حزناً من تلك اللحظة التي ترجل فيها النبي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم عن صهوة الحياة الدنيا ليلتحق بالرفيق الأعلى. لقد كانت وفاة المصطفى صلى الله عليه وسلم زلزالاً روحياً وبدنياً هز أركان المدينة المنورة، وخلخل قلوب أصحاب أطهر المجتمع البشرية.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للصحابة الكرام أكثر من قائد سياسي أو معلم روحي؛ كان هو النور الذي تستنير به العقول، والرحمة المهداة، والوسيط بينهم وبين الوحي الإلهي الساكن في الصدور والمهج. وحين أُسدل الستار على تلك الحقبة النبوية العطرة باشراق شمس يوم الإثنين، وجد الصحابة رضوان الله عليهم أنفسهم وجهاً لوجه أمام حقيقة قاسية ومصيبة عظمى كادت تزيح الجبال عن أماكنها.

هول الصدمة وغشاوة الحيرة

تفاوتت ردود أفعال الصحابة رضي الله عنهم فور تلقيهم نبأ الوفاة الكريمة، متأثرين بطباعهم ومواقعهم، وبشريتهم التي تتفطر أسفاً وحزناً لفراق الحبيب. لقد غشيت المدينة المنورة ظلمة حقيقية ومجازية؛ فوصف أنس بن مالك رضي الله عنه ذلك اليوم بقوله: "لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا".

1. ذهول عمر بن الخطاب ورفضه للتصديق

كان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، برغم شدته وقوته، أشد الناس تأثراً بالصدمة في لحظاتها الأولى، لدرجة أنه لم يستوعب العقل البشري لديه وقع الخبر المذهل. وقف عمر رضي الله عنه شاهراً سيفه يخطب في الناس وينكر الخبر إنكاراً مطلقاً، محذراً ومنذراً، ومقسماً بالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران عليه السلام، ومقسماً ليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن يروجون لخبر وفاته.

لقد أعمى هول الفاجعة وفطام الوحي بصيرة الفاروق المؤقتة عن إدراك حتمية الموت البشري للأنبياء، مبيناً بذلك مدى تعلق القلوب بنبيها ورفضها المتأصل لتخيل عالم خاوٍ من حضوره المبارك.

2. وقفة الصديق الأوّاب وثبات الإيمان

وفي غمرة تلك الحيرة المظلمة والاضطراب العارم الذي ضرب أطنااب المسجد النبوي، أقبل أبو بكر الصديق رضي الله عنه من موضع له بالسنح على فرس له. نزل ودخل المسجد صامتاً لا يكلم أحداً حتى توجه مباشرة إلى غرفة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث يسجى الجسد الشريف.

كشف أبو بكر رضي الله عنه عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكب عليه فقَبّله وبكى، قائلاً عبارته الخالدة المفعمة بالحب والحزن: "بأبي أنت وأمي، طبت حيّاً وميّتاً". ثم خرج مسرعاً إلى الناس ليرى عمر وهو يخطب، فقال له بصوت هادئ وثابت: "أرسل يا عمر، أنصت"، فأبى عمر أن ينصت. فاقبل أبو بكر على الناس يكلمهم، فترك الناس عمر وأقبلوا على الصديق يعقدون الخلاص في كلماته الحكيمة.

فصل الخطاب ودستور التسليم

وقف الصديق رضي الله عنه خطيباً في الأمة المكلومة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أطلق كلماته الإيمانية الكبرى التي أصبحت دستوراً للأمة في مواجهة الفجائع:

"أيها الناس، إنه من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت".

ثم تلا على مسامعهم الآية القرآنية المحكمة التي كأنهم لم يسمعوها قط قبل تلك اللحظة:

وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم\text{وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم

يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما واصفاً أثر هذه الخطبة والآية على الجموع: "والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر يومئذ، فتلقاها الناس كلهم فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها". لقد تهافتت أرجاء المسجد بالبكاء والنحيب، وأسقط في يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى ما تقلّه رجلاه فعرف حقاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فارق دار الدنيا.

مشاعر آل البيت ووجع الفراق الخاص

لم تكن مصيبة عامة المسلمين تقاس بما جاش في صدور أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وخصوصاً ابنته الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام. فعندما أيقنت برحيل أبيها الحبيب، عبّرت عن لوعتها بكلمات تقطر ألماً وحسرة:

"يا أبتاه، أجاب رباً دعاه! يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه! يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه!"

لقد أدرك الصحابة جميعاً بحزن بالغ أن انقطاع الوحي يعني طي صفحة من أعظم صفحات السماء والأرض، ولكن بقيت جذوة الإيمان والتربية النبوية الراسخة هي الحصن الذي منع الأمة من التفكك والانحراف في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ الإسلام.

موقِف الثبات والاحتواء: خطبة أبي بكر وتوجيه القلوب

لم يترك القدر المسلمين في حيرتهم تلك، بل قيّض الله بحكمته من يعيد بوصلة الأمة إلى اتجاهها الصحيح. أقبل أبو بكر الصديق رضي الله عنه من عالي المدينة على فرس، فدخل بيت عائشة رضي الله عنها، وكشف الغطاء عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فانحنى عليه يقبّله وهو يبكي ويقول: "بأبي أنت وأمي، طبت حياً وميتاً". لقد أيقن الصديق بحسّه الإيماني النافذ وقوع المحتوم، فخرج فوراً إلى المسجد حيث كان عمر رضي الله عنه يخطب الناس.

طلب أبو بكر من عمر الجلوس، وتوجّه بحضور قلب وثبات إلى الجموع المحتشدة، فحمد الله وأثنى عليه ثم أطلق كلماته التاريخية الخالدة التي هزت أعماق الوجدان: "ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". ثم تلا قول الله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم).

استقرار اليقين وأثر الكلمات

كان لوقوع هذه الآية على أسماع الصحابة وقع السحر، وكأنهم يسمعونها لأول مرة. يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس كلهم فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها".

لقد أحدثت هذه الخطبة الجامحة تحولاً جذرياً في نفسية الصحابة؛ فعاد إليهم وعيهم، وتهافتت دموعهم سكينةً ورضاً بقضاء الله. حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصف شدة وقعها بقوله: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه قد مات، حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض".

بهذا الموقف الحازم الحكيم، تجاوزه الصدمة الكبرى، وتوحدت صفوف الأمة على الثبات على دين الله، فانصرف الجميع لتجهيز الجسد الشريف ودفنه، واضعين نصب أعينهم استمرار رسالة الإسلام الخالدة بغض النظر عن زوال الأجساد.