المحتويات
تعتبر السيرة النبوية الشريفة والشمائل المحمدية بحراً زاخراً بالدقة والعناية التي أبداها الصحابة الكرام رضي الله عنه أجمعين في رصد ونقل كل تفصيلة من تفاصيل خلقة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وهديه. ومن بين تلك الدقائق الجسدية التي نالت عناية المحدثين وأهل السير؛ صفة وجهه الكريم، وتحديدا منطقة الجبين والحاجبين. وقد أثير حول هذه الجزئية تحديداً نقاش عريض بين روايات تبدو في ظاهرها مختلفة، تساؤل رئيسي يدور حول: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أقرن (أي مقرون الحاجبين)؟ أم أنه كان أبلج (أي مفصول الحاجبين)؟
1. محورية الشمائل المحمدية ومدخل لدراسة الجسد الشريف
عُرف العرب بقوة الملاحظة ودقة الفراسة، ولعل هذا ما جعل وصفهم للنبي صلى الله عليه وسلم يصل إلى درجة مذهلة من التفصيل الدقيق. لم تكن هذه الأوصاف مجرد فضول بشري، بل كانت جزءاً من حفظ الهدي الظاهر للرسول المعصوم الذي أُمرنا بالاقتداء به حتى في سمته وهديه.
وعندما نتأمل الخلقة النبوية، نجد أن الله سبحانه وتعالى قد جبل نبيّه في أحسن تقويم، فجمع له بين جمال الشكل وكمال الخُلُق. وكانت منطقة الوجه، لاسيما الجبين والعينان والحاجبان، مركز الجاذبية البصرية لمن ينظر إليه، فهي تعكس مشاعره وهدوءه أو هيبته وغضبه.
2. الروايات الواردة في صفة حاجبيه: ظاهر الاختلاف
عند تتبع كتب الشمائل، كـ "شمائل الترمذي" و"دلائل النبوة" للبيهقي و"سبل الهدى والرشاد"، نجد فريقين من النصوص؛ فريق يثبت صفة "القرن" وفريق ينفيها ويصرح بـ "البلج":
الرواية الأولى المثبتة للقرن (أو ما يشبهه): ما ورد عن أم معبد الخزاعية رضي الله عنها في وصفها الشهير للنبي صلى الله عليه وسلم عندما مرّ بخبائها في هجرته، حيث قالت في وصفه: «أزج أقرن». ومعنى "الأقرن" في اللغة هو الذي اتصل حاجباه فلم ينفصلا. وكذلك ما ورد في بعض الروايات الأخرى عن سويد بن غفلة قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضح الجبين أهدب مقرون الحاجبين».
الرواية الثانية النافية للقرن والمثبتة للبلج: وهي الرواية الأصح والأثبت عند جمهور المحدثين، وفي مقدمتها ما رواه هند بن أبي الهالة رضي الله عنه عن الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما، حيث قال واصفاً النبي صلى الله عليه وسلم: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزج الحواجب، سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب». وكذلك ما ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وزوجة النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزج الحاجبين، سابغهما من غير قرن بينهما، وكان أبلج ما بين الحاجبين». وال"أبلج" لغةً هو النقي الواضح ما بين الحاجبين من الشعر، أي أن هناك فاصلاً طبيعياً غير ملتحم.
3. المعنى اللغوي ومقاصد العرب في "القرن" و"البلج"
لفهم هذا الإشكال الظاهري، لا بد من العودة إلى معاجم العرب ومقاييسهم الجمالية في تلك الحقبة:
الأزج: هو طوال الحاجبين مع دقتهما وامتراف طرفيهما نحو مؤخر العينين. وهي صفة جمالية محمودة بلا خلاف عند العرب.
البلج: هو انقطاع الشعر بين الحاجبين وعدم اتصالهما، وكانت العرب تستحب البلج وتعده من علامات حسن الوجه وصفاء الإطلالة.
القرن: هو اتصال شعر الحاجبين ببعضهما فوق أصل النصل أو الأنف. وغالباً ما كانت العرب تكرهه في بعض السياقات الجمالية البحتة أو تعافه إذا كان كثيفاً مغلقاً، بينما ورد وصف النبي به في حالات تقريبية أو نسبية كما سيأتي بيانه في الجزء القادم.
الخاتمة والترجيح العلمي بين الروايات
تأسيساً على ما سبق من إيراد النصوص الشريفة وتحليلات كبار الأئمة والعلماء، يتبين لنا أن المسألة خاضعة لمنهج دقيق في التوفيق بين الأحاديث النبوية التي وصفَت خِلقة النبي صلى الله عليه وسلم. فبينما ورد لفظ "الأقرن" في روايات معينة -مثل حديث أم معبد الخزاعية الشهير- ذهب جمهرة المحدثين والمحققين إلى أن المعتمد والمحفوظ هو وصفه بـ "البلج"، وهو نقي ما بين الحاجبين من الشعر، أي انفصال الحاجبين عن بعضهما تماماً من غير قرن.
وقد صرح الإمام أبو عبيد وغيره بأن كلمة "أقرن" لم تثبت في صفتِه الشريفة في سائر الطرق الصحيحة المتقنة كتلك التي وردت عن هند بن أبي Hالة وعائشة رضي الله عنهما، حيث نُص صراحةً على أنه صلى الله عليه وسلم كان: "أزج الحواجب سوابغ في غير قرن". ولعل ما توهم منه اتصالاً خفيفاً في بعض الروايات إنما هو بسبب غبار السفر أو دقة النظر في زوايا معينة، أو اتحاد الوصف مجازاً بحسب الإضاءة وهيئة الرائي، إلا أن اليقين المستقر عند أهل العلم هو البَلَج وزجوس الحاجبين وجمالهما المعتدل من غير اقتران.
وهكذا يظهر لنا مدى العناية الفائقة التي أولاها الصحابة الكرام رضي الله عنهم لتوثيق كل تفصيلة دقيقة من شَمائل النبي صلى الله عليه وسلم وخِلْمته، حتى كأن الناظر إليه من خلال كلماتهم يراه رأي العين. فلم تكن هذه الأوصاف مجرد سرد بشري عابر، بل كانت مرآة تعكس كمال خلقة الله تعالى لنبيه المصطفى، ليجتمع فيه حسن الظاهر وبهاء الأخلاق، فيكون أسوة حسنة كاملة للبشرية جمعاء في سيرته وصورته ومخبره ومحضره.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.