مقدمة في دراسة الشمائل المحمدية والجسدية

تُعدّ دراسة الشمائل المُحمدية والصفات الخَلقية والخُلقية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم باباً عظيماً من أبواب معرفة السيرة العطرة، ومحبة المصطفى قلباً وعلماً. فقد اهتم الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين بضبط كل تفصيلة تتعلق بمظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تواترت الروايات الدقيقة والصحيحة في كتب الحديث والسيرة، لتنقل لنا صورة حية متكاملة لشمائله. ومن أكثر الأسئلة التي تشغل أذهان الباحثين والمحبين، وتتكرر في مجالس العلم والسيرة: كم كان طول النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟ وكيف وصفه أصحابه الذين عايشوه ورأوه في غدوه ورواحه؟

الروايات الصحيحة في تحديد قامة النبي صلى الله عليه وسلم

عند الرجوع إلى المصادر الحديثية المعتمدة، مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما من كتب السنة المشرفة، نجد إجماعاً رواتياً على وصف دقيق لقوام النبي صلى الله عليه وسلم. لقد كان من أصدق ما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم أنه "لم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير"، بل كان يُعرف بـ "المَرْبُوع"، والمربوع في لغة العرب هو الذي توسط بين الطول والقصر فلم يجاوز الحد في إفراط، ولم يقصر حتى ينزل إلى مرتبة القصار.

وقد جاء في الأحاديث الصحاح تفصيل هذا المعنى؛ فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعاً، بعيد ما بين المنكبين". وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بالطويل البائن ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، ولا بالجعد القطط ولا السبط". هذه الأوصاف الدقيقة تحدد بدقة إطار قامته البدنية، حيث اتسم بالتناسق والاعتدال البديع الذي جعله أحسن الناس وجهاً وأعلاهم هيبة.

الجمع بين وصف "الربعة" وظهوره بالطول بين الناس

قد يتبادر إلى ذهن الباحث تساؤل مهم وموضوعي: كيف يُوصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه "مربوع" (أي متوسط القامة)، وفي الوقت نفسه تذكر بعض الروايات والملاحظات السيرية أنه إذا ما سار مع أصحابه أو جالسهم بدا كأنه أطولهم أو فارع القامة بينهم؟

لقد أجاب شراح الحديث والمحققون عن هذا الإشكال إجابات علمية رصينة، مفادها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بالطويل المُممِط (أي المفرط في الطول حتى يبدو نحيلاً طويلاً بشكل غير متناسق)، بل كان ربعة، غير أنه إذا انضم إلى قوم طوال أو توسط المجالس، غلبهم بهمته وهديه ونور وجهه، أو كان له من التناسق الجسدي وعريض المنكبين ما يمنحه حضوراً طاغياً يملأ العين وبصر الناظرين، فلا يقع بصر أحد على طويل إلا بدا النبي صلى الله عليه وسلم طويلاً بجماله وهيبته وتكامل خِلقته.

دلالات الاعتدال الخَلقي في الهدي النبوي

إن اعتدال طول النبي صلى الله عليه وسلم وقوامه لم يكن أمراً عبثياً، بل كان انعكاساً لتمام الخِلقة وحسنها الذي اختاره الله تعالى لخير البشر. فالاعتدال في القامة والجسد يدل على اعتدال المزاج، ورجاحة العقل، وقوة البنية المتزنة التي تتحمل أعباء الرسالة والجهاد والدعوة. وقد جمع الله تعالى لنبيه الكريم محاسن الخَلق والخُلق، فكان جسده الشريف مرآة لصفاء روحه وعلو منزلته عند ربه سبحانه وتعالى.

استكمالاً لبحثنا: البنيان الجسدي المتناسق للنبي صلى الله عليه وسلم

وفي خاتمة هذا العرض التحليلي للشمائل المحمدية والصفات الخِلقية، يجدر بنا التذكير بأن هيئة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن مجرد ملامح جسدية عابرة، بل كانت آية من آيات الإتقان الإلهي الذي انعكس على روحه السامية. فقد وصفه أصحابه الكرام -رضوان الله عليهم- بأدق التفاصيل ليبقى هديه وماضيه حياً في وجدان الأمة، ومن أبرز ما ورد في تمام خِلقته إلى جانب طوله المعتدل الممقوط (الذي وصف بأنه ليس بالطويل البائن ولا بالقصير)، توافق أعضائه وتناسقها التام الذي يدل على قوة البنيان وسلامة التكوين.

وقد أجمعت كتب السيرة والشمائل، كشمائل الترمذي وغيره، على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان:

  • رَبْعَةً من القوم: أي لم يكن بالمفرط في الطول ولا بالقصير، بل كان إلى الطول أقرب، وإذا ما مشى مع الرجال الأطوال بدا متميزاً بقامته الممشوقة المعتدلة.

  • عريض المنكبين: وهي صفة تدل على قوة البأس وشدة العزم، وكان كاثباً (أي كثير لحم الكتفين)، ولم يكن منكسباً أو نحيف العظام.

  • خاتم النبوة: الذي كان في موضع كتفه، وكان عبارة عن غدة لحمية بحجم بيضة الحمام أو زر الحجلة، يحيط بها شعرات مجتمعة، وكانت علامة بارزة من علامات نبوته الخاتمة التي تحدثت عنها الكتب السابقة.

  • حسن الصوت ووضوح النبرات: فكان كلامه يفصل بين الكلمات، وكان ضحكه تبسماً، وكانت خُطاه قوية متماسكة، يعلو فيها النشاط وكأنما ينحط من صصب (مكان مرتفع).

إن تأمل هذه الشمائل العطرة يمنح المسلم شعوراً بالقرب الوجداني من نبيه الكريم، حيث يتجسد أمامه إنسان كامل الأوصاف، جمع بين بهاء المنظر وحسن الخلق، ليكون أسوة حسنة للبشرية جمعاء في ظاهرها ومخبرها.