هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العناية بالشعر وتمشيطه: إكرام ونظافة وجمال

مقدمة: الشعر نعمة، والعناية به سنة نبوية

يولي الدين الإسلامي الحنيف عناية فائقة بالنظافة الشخصية والمظهر الحسن، باعتبار النظافة جزءاً مكملاً لمنظومة الإيمان والأخلاق الرفيعة التي دعا إليها الإسلام. ومن أبرز مظاهر هذه العناية ما تعلق بهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بالمظهر العام، ولا سيما العناية بالشعر وتسريحه وتمشيطه. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعنى بشعره الشريف عناية بالغة، ويأصحابه ومريديه بالمحافظة عليه وإكرامه، واضعاً بذلك أساساً نبوياً راقياً يجمع بين النظافة، والجمال، والاعتدال.

لقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة عديدة توضح بجلاء سنن التعامل مع الشعر، سواء من حيث الدهن، أو الترجيل، أو التمشيط، أو النهي عن الإهمال والترك المتعمد الذي يسيء إلى مظهر المسلم. وفي هذا المقال، نسلط الضوء على هدي النبي الكريم في هذا الباب، مستعرضين الأحاديث النبوية الشريفة والدلالات العميقة لتوجيهاته المباركة.

أولاً: الحديث الشريف في إكرام الشعر

جاءت السنة النبوية المطهرة بتوجيه صريح ومباشر يحث على العناية بالشعر وإكرامه، وعدم تركه عرضة للشعث والإهمال. وفي هذا السياق، يبرز الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان له شعر فليكرمه".

وهذا التوجيه النبوي الكريم يحمل في طياته معاني سامية؛ فإكرام الشعر لا يقصد به المبالغة المذمومة التي تصرف الإنسان عن أداء مهامه وتجعله مغرماً بمظهره على حساب جوهره، بل يقصد به:

  • تنظيفه المستمر وغسله بالماء والمنظفات الطبيعية المتاحة كالسدر.

  • تسريحه وتمشيطه بانتظام ليزول عنه التعقيد والغبار.

  • دهنه وتزييته ليبقى رطباً، لامعاً، ونظيفاً.

وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الهدي بنفسه الشريفة؛ فقد كان شعره يبلغ شحمة أذنيه أو تنكبيه أحياناً، وكان يدهنه ويسرحه، وكان يختار التيمن في كل شؤونه، بما في ذلك ترجيله لشعره وتسريحه.

ثانياً: مفهوم "الترجيل" وآدابه في السنة

في معاجم اللغة والفقه الإسلامي، يُقصد بـ "الترجيل" تسريح الشعر وتمشيطه ودهنه. وقد عُرف عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت واصفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم: "كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعجِبهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلهِ وتَرَجُّلهِ وطُهورِه وفي شأنهِ كلِّه".

ويُستفاد من هذا الحديث العظيم عدة آداب مرعيّة عند الشروع في تمشيط الشعر، منها:

  1. الابتداء باليمين: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على البدء بالجانب الأيمن من رأسه عند تسريحه، اقتداءً بسنته في التيمن في سائر أعماله الطيبة.

  2. الاعتدال وعدم المبالغة: نهى بعض العلماء أو وردت توجيهات بعدم المبالغة في التمشيط اليومي المفرط الذي قد يضر بصفرة الشعر أو يستهلك الوقت بلا فائدة شرعية أو دنياوية معتبرة، محددين أن الإكرام يكون بالتوسط وعدم الإفراط أو الإهمال.

  3. النهي عن ثؤور الشعر بلا عذر: فقد رُئي رجل ذو شعر ثائر (أي منتفش غير مرتب)، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإصلاحه، مشيراً إلى أن الشيطان أو الهيئة غير المرتبة لا تناسب مظهر المسلم الوقور الذي يحرص على نظافة هندامه.

تطلع نحو المحور القادم

بهذا الهدي القويم، أرسا النبي صلى الله عليه وسلم قواعد رفيعة تتجاوز مجرد الشكل الخارجي إلى غرس الانضباط والذوق الرفيع في نفس المسلم. وفي الجزء القادم من هذا المقال، سنتعمق أكثر في تفاصيل الأدلة الفقهية المرتبطة بتوقيتات التمشيط، والآداب المصاحبة له، والحكمة الصحية والنفسية الكامنة خلف هذه التوجيهات النبوية الخالدة.

آداب التسريح والاعتدال في العناية بالمظهر النبوي

تأسيساً على ما سبق بيانه من توجيهات حكيمة وهدي مبارك أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخص العناية بالشعر ونظافته، تأتي السنة النبوية لترسم منهجاً متكاملاً يوازن بين التجمل الممدوح والمبالغة المنهي عنها. فقد كان من هديه الشريف عليه الصلاة والسلام الحرص على التسريح والترجيل بحكمة واعتدال، بحيث لا يُترك الشعر مهملاً مشعثاً، وفي الوقت ذاته لا يُجعل الشغل الشاغل للإنسان طوال وقته.

ولقد ثبت في السنة المطهرة النهي عن التمشيط المبالغ فيه بشكل يومي مستمر، حيث أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى «الترجيل غباً»، والمراد بذلك تسريح الشعر ودهنه حيناً بعد حين، أو يوماً بعد يوم، لكي لا يتحول الاهتمام بالمظهر إلى وسواس أو ترف مذموم ينافي التوكل والاشتغال بمعالي الأمور. كما تضمنت التوجيهات النبوية آداباً عملية دقيقة، منها استحباب التيمن وبدء التسريح بالجانب الأيمن من الرأس تشريفاً وتكريماً، اقتداءً بقاعدة الحبيب المصطفى في محبته للتيمن في شأنه كله، إضافة إلى اختيار الأوقات المناسبة وعدم الإسراف في التزيين المبالغ فيه الذي يخرج بالمرء عن حد الجمال المشروع إلى حد الخيلاء.

إن هذا التوجيه النبوي الحكيم يعكس نظرة الإسلام الشمولية للإنسان، فهو دين يجمع بين طهارة الباطن ونظافة الظاهر، ويجعل من المظهر الحسن وسيلة لبعث السرور في النفس وانعكاساً لجمال الإسلام ورقي آدابه. فالاعتناء بالشعر وتשريحه باتباع السنة لا يقتصر على كونه سلوكاً نظيفاً فحسب، بل هو طاعة وتقرب يُثاب عليها المسلم حين يستححض نية التأسي بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم في مظهره وخلقه وهديه العام.