إن الحديث عن البشارات النبوية في الكتب السماوية السابقة يُعد واحداً من أهم موضوعات المقارنة بين الأديان، ويحتل مكانة مركزية في الحوار الإسلامي المسيحي. ومن أبرز هذه المسائل وأكثرها إثارة للبحث والنقاش؛ تلك المتعلقة بسؤال المحوري: هل بشّر سيدنا عيسى ابن مريم عليهما السلام بظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟

للإجابة عن هذا السؤال بموضوعية وعلم، لا بد من الغوص في النصوص المقارنة بين القرآن الكريم والأناجيل المتداولة، مع استقراء النصوص اللغوية والتاريخية التي تحيط بالموضوع، بعيداً عن التعصب المذهبي، واستناداً إلى المناهج الأكاديمية والنصية الرصينة.

أولاً: المنظور القرآني الصريح وبشارة عيسى بـ "أحمد"

ينطلق المسلمون في إثبات هذه البشارة من نص صريح ومحكم في القرآن الكريم، تحديداً في سورة الصف (الآية 6)، حيث يقول الله تعالى:

{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مَّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ومُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].

هذه الآية الكريمة تقرر حقيقة تاريخية وعقائدية واضحة من المنظور الإسلامي؛ وهي أن عيسى عليه السلام لم يكن مصلحاً محلياً فحسب، بل كان حلقة في سلسلة طويلة من الأنبياء الذين يمهد بعضهم لبعض، وكانت مهمته تتضمن التمهيد لخاتم الانبياء والمرسلين. واللافت للنظر هنا هو استخدام اسم "أحمد"، وهو اسم علم يشترك مع اسم "محمد" في الجذر اللغوي نفسه (ح - م - د)، مما يشير إلى الصفة والغاية من حمده تعالى وشكره.

ويفسر المفسرون وعلماء المقارنات هذا النص بأن عيسى عليه السلام خاطب حوارييه وبني إسرائيل مبشراً بنبي يأتي من بعده، لتأكيد استمرارية رسالة التوحيد وتصحيح ما انحرف عنه الناس، لا سيما وأن الأنبياء جميعاً دينهم واحد وشرائعهم شتى.

ثانياً: النصوص الإنجيلية والبحث عن البشائر (نص "البارقليط")

على الطرف الآخر، يبرز النقاش حول النصوص الواردة في الأناجيل الحالية، وخصوصاً إنجيل يوحنا، حيث ترد كلمة يونانية مثيرة للجدل وهي "البارقليط" (Parakletos)، والتي تُترجم في النسخ العربية الحديثة للكتاب المقدس إلى "المعزي" أو "المحامي" أو "الروح القدس".

يرى الباحثون المسلمون وبعض دارسي مقارنة الأديان أن كلمة "البارقليط" في الأصل اليوناني ربما كانت تحريفاً أو قراءة نصية لكلمة شبيهة جداً في الحروف والمعنى، وهي "بيريكليتوس" (Periklytos)، والتي تعني تماماً "المحمد" أو "المرء المحمود" باللغة اليونانية، وهي ترجمة دقيقة لاسم "محمد" أو "أحمد".

فعلى سبيل المثال، يذكر إنجيل يوحنا في الاصحاحات (14، 15، 16) نصوصاً من قبيل:

"وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليماثلكم إلى الأبد، روح الحق..." (يوحنا 14: 16).

ويضيف النص في موضع آخر:

"ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق، الذي من الآب ينبثق، فهو يشهد لي" (يوحنا 15: 26).

وكذلك النص الأبرز في إنجيل يوحنا (16: 7-8):

"ولكنني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسلته إليكم. ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة..."

ثالثاً: قراءة تحليلية في النصوص الإنجيلية من منظور إسلامي ومسيحي

تتباين التفسيرات لهذا النص تبايناً جذرياً بين علماء الإسلام ورجال اللاهوت المسيحي:

  1. التفسير المسيحي التقليدي: يرى اللاهوتيون المسيحيون أن "البارقليط" هو حصراً الروح القدس الذي حُلّ على الحواريين في يوم الخمسين (بعد صعود المسيح)، مستندين إلى ما ورد في نفس الإنجيل بأن "العالم لا يقدر أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتُعرفونه لأنه مقيم معكم ويكون فيكم" (يوحنا 14: 17). ومن ثم، فإنهم يرفضون تماماً تطبيقه على شخص بشري مثل النبي محمد.

  2. التفسير الإسلامي والمقارن: في المقابل، يرى الباحثون المسلمون أن وصف "البارقليط" بأنه شخص سيأتي بعد ذهاب المسيح، وأنه سيوبخ العالم، ويشهد للمسيح، ويقول ما يوحى إليه ولا يبتدع من تلقاء نفسه، وينطق بما يسمع ويهدي إلى الحق كله (كما ورد في يوحنا 16: 13: "وذاك متى جاء، روح الحق، هو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية")... إن هذه الصفات تنطبق بصورة أشد دقة ومطابقة على نبي بشري يشرع أحكاماً جديدة ويصحح المفاهيم، لا سيما وأن القرآن الكريم وصف النبي محمد بأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

رابعاً: البشائر في العهد القديم بعيون الإنجيل والقرآن

لا تقتصر البشارات عند الباحثين المسلمين على إنجيل يوحنا فحسب، بل يمتد الاستدلال أحياناً إلى نصوص أخرى في التوراة والإنجيل تتعلق بـ "النبي الموعود" الذي يُشبه موسى، أو القادم من جبال فاران (جبال مكة)، مثل ما ورد في سفر التثنية (الإصحاح 18):

"نبيّاً أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فكلمهم بكل ما أوصيه به" (التثنية 18: 18).

وحيث إن "إخوة" بني إسرائيل هم إسماعيل ونسله، فإن هذا النبي الموعود، الذي سيكون مثله مثل موسى (صاحب شريعة وسلطان)، لا ينطبق تاريخياً على أنبياء بني إسرائيل اللاحقين فحسب، بل يراه المسلمون متحققاً بوضوح في شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي أتى بشريعة شاملة وكتاب محكم.

خاتمة البشارة النبوية: الامتداد الرسالي بين عيسى ومحمد عليهما السلام

الأدلة القرآنية ووحدة الرسالات السماوية

يُجمع المسلمون على أن الصلة الوثيقة بين الأنبياء تمثل السلسلة النبوية المتصلة التي لا انقطاع لها، حيث يؤكد القرآن الكريم في سورة الصف على حقيقة جليلة تمثلت في قول عيسى ابن مريم عليه السلام لبني إسرائيل: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}. هذه الآية الكريمة تختصر مسار النبوة الخاتمة، وتوضح أن رسالة السيد المسيح -عليه السلام- لم تكن مقطوعة الصلة عما بعدها، بل كانت تمهيداً أساسياً ومبشراً مركزياً بقدوم النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون هذا التوافق دليلاً على وحدة المصدر الإلهي لجميع الشرائع السماوية التي تدعو إلى توحيد الله عز وجل.

دلالات التسمية باسم "أحمد" والحكمة منها

يطرح الباحثون تساؤلات حول سبب ورد اسم "أحمد" في البشارة القرآنية بدلاً من الاسم الشائع "محمد". ويُشير المحققون من علماء التفسير إلى حكم عظيمة وراء هذا الاختيار البليغ:

  • وصف الشكر والحمد: إن اسم "أحمد" هو صيغة تففضيل تعني الأكثر حمداً لله وأحق الناس بالثناء، وهو وصف دقيق يتطابق مع الصفات العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم الذي فتح الله به باب الحمد الأعظم.

  • طبيعة البشارة: جاءت البشارة متوافقة مع الأسلوب الإلهي في إعداد القلوب وتهدئة النفوس لتلقي المنهج الشامل المتكامل الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق ويهيمن على ما سبقه من الكتب.

الآثار العقدية والتاريخية للبشارة

إن إثبات البشارة يرسخ في وجدان المؤمنين مبدأ الترابط بين الأنبياء، حيث يُعد الإنباز والتبشير دليل صدق نبوة الخاتم وتأكيداً على أن دعوته لم تكن بدعاً من الرسل. وفي الختام، تبقى رسالة الأنبياء جميعاً قائمة على أساس إخلاص العبادة لله وحده، لتتلاقى دعوة عيسى عليه السلام في أصلها وجوهرها مع رسالة الإسلام الخالدة.

سر تبشير عيسى بأحمد وليس بمحمد

يقدم هذا الفيديو شرحاً مفصلاً ومبسطاً حول الحكمة الإلهية من ذكر اسم "أحمد" في البشارة النبوية.

سر تبشير عيسى بأحمد وليس بمحمد الدكتور راغب السرجاني · 21K views