المحتويات
مقدمة وتحليل تاريخي وعقائدي حول رحيل النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) في الموروث الشيعي
تخضع قضية رحيل النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وتحت أي ظرف تمت، لدراسات وعقائد ومرويات تاريخية دقيقة لدى المدارس الإسلامية المختلفة. وعندما نطرح التساؤل المتمثل في "متى استشهد النبي عند الشيعة؟ وكيف؟"، فإننا نلج إلى منظومة متكاملة من النصوص الحديثية، والتحقيقات التاريخية، والأدبيات العقائدية التي تختص بها المدرسة الإمامية الاثنا عشرية، والتي تميزت برؤية خاصة سواء على مستوى تحديد الزمان الدقيق للوفاة أو على مستوى السبب الحقيقي وراء هذا الرحيل المفجعي.
أولاً: التحديد الزمني لوفاة النبي (صلى الله عليه وآله)
تتفق كلمة علماء ومؤرخي الشيعة الإمامية - استناداً إلى النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) - على أن وفاة أو استشهاد النبي محمد (صلى الله عليه وآله) كانت في شهر صفر المظفر، وتحديداً في اليوم الثامن والعشرين من شهر صفر من السنة العاشرة للهجرة (أو إحدى عشرة للهجرة بحسب بعض الاعتبارات في حساب مبدأ الهجرة وبدايتها، بينما المشهور المستقر هو السنة العاشرة بعد حجة الوداع).
ويخالف هذا التحديد المشهورَ عند أبناء السنة والجماعة الذين ذهبوا إلى أن وفاته (صلى الله عليه وآله) كانت في شهر ربيع الأول، وتحديداً في اليوم الثاني عشر منه. ويعتمد علماء الشيعة في تثبيت تاريخ الثامن والعشرين من صفر على نصوص أعلامهم المتقدمين ورواة حديثهم الثقات، مثل الشيخ المفيد في كتابه "الإرشاد" و"مسار الشيعة"، والشيخ الطوسي، وغيرهم ممن نصّوا على أن النبي قبض في يوم الاثنين، لليلتين بقيتا من صفر. هذا التباين الزمني يحمل دلالات خاصة في التراث العزائي الشيعي، حيث يُحيي أتباع أهل البيت هذه الذكرى الأليمة بحزن واسع ومراسم خاصة تختلف عن تلك المرتبطة بشهر ربيع الأول.
ثانياً: عقيدة الاستشهاد مقابل الوفاة الطبيعية
أما فيما يتعلق بتعبير "الاستشهاد" بدلاً من "الوفاة الطبيعية"، فإن المدرسة الإمامية تتبنى عقيدة واضحة وموثقة في مصادرها الحديثية المعتبرة، مفادها أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم يموت حتف أنفه بصورة طبيعية بحتة، بل قضى شهيداً مسموماً.
وقد صرح بهذا المعنى كبار أعلام المحدثين والمتكلمين عند الشيعة، كالشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) الذي عدّ ذلك من اعتقادات الإمامية، حيث ورد في كتبه الاعتقادية أن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) قد سُمّ يوم غزاة خيبر. فعندما فتح المسوّقون حصون خيبر، عمدت امرأة يهودية (زينب بنت الحارث) إلى وضع السم في شاة مصلية أهدتها للنبي (صلى الله عليه وآله)، وقد تناول منها النبي والمحرضون معه. ورغم أن الروايات تشير إلى أن الكتف أو اللحم نطق مخبراً بأنه مسموم، إلا أن آثار ذلك السم وظلت تفاعلاته الكيميائية والبيولوجية تعمل في جسد النبي الشريف على مدى السنوات اللاحقة حتى بلغت أشدها في مرضه الأخير الذي توفي فيه.
وينقل علماء الشيعة في هذا السياق روايات متواترة تدعم هذا الطرح، مستشهدين أيضاً بما ورد في كتب الصحاح عند بقية المسلمين (مثل ما أخرجه البخاري وغيره) من إشارة النبي في مرضه الأخير إلى ذلك السم الذي قُطِعَ منه الأبهَر (عرق ينياط القلب). وبناءً على هذه الروايات، يرى المحققون من أبناء الطريقة الإمامية أن النبي (صلى الله عليه وآله) حظي بوسام الشهادة العظيم الذي يناله الأنبياء والأوصياء، لتكتمل مسيرة جهاده وتضحياته الكبرى في سبيل تبليغ رسالة السماء على أكمل وجه وأتم صورة.
خاتمة المطاف: الدلالات العقدية والتاريخية لشهادة النبي الأكرم (ص)
وفي سياق متصل، لا تقتصر أهمية تحديد تاريخ الوفاة عند المدرسة الإمامية على الجانب الزمني فحسب، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالرؤية العقائدية لطبيعة رحيل النبي محمد (صلى الله عليه وآله). فالمعتقد المشهور والمستند إلى الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) يؤكد أن النبي (ص) لم يمت حتف أنفه بصورة طبيعية، بل قضى شهيداً مسموماً. ويستدل علماء الشيعة على ذلك بآيات قرآنية مباركة، كقوله تعالى: (أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ)، مشيرين إلى أن الآية تشير بوضوح إلى احتمال القتل والشهادة.
وتستند النصوص الروائية المعتمدة لديهم إلى أن الأنبياء والأوصياء يختمون حياتهم غالباً بالشهادة، إما بالسيف أو السم، لقول الإمام الصادق (ع): "ما منا إلا مقتول أو شهيد". وتتطرق المصادر التاريخية والحديثية الخاصة بهذا المنهج إلى تفاصيل دقيقة تحيط بأيام المرض الشديد الذي أفضى إلى الشهادة في الثامن والعشرين من صفر، وكيف تعامل النبي (ص) مع الساعات الأخيرة من حياته الشريفة، مُؤكداً على التمسك بالثقلين (القرآن العترة الطاهرة) ووصية الخلافة من بعده.
وعليه، يُحيي الشيعة ذكرى استشهاد النبي الأكرم (ص) في هذا التاريخ المؤلم من كل عام حزناً واستذكاراً لمصائب أهل البيت (ع) التي افتتحت برحيل خاتم الأنبياء. وتتجلى في مجالس العزاء هذه المعاني الروحية والرسالية العميقة التي ترسخ ارتباط الأمة بنهج النبوة وامتدادها الطبيعي في خط الإمامة، مؤكدين على استمرار العهد والولاء للقيم الإسلامية الأصيلة التي ضحى من أجلها النبي وآله الأطهار حتى آخر لحظة من حياتهم الشريفة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.