دلالات سن الأربعين في الفكر الإمامي وحكمة البداية
البُعد العقائدي والفلسفي لاختيار سن الأربعين
على الرغم من وجود بعض الروايات التاريخية الشاذة أو الأقوال المرجوحة عند بعض المتقدمين التي تشير إلى احتمالات أخرى، فإن المحققين وعلماء الإمامية (الشيعة) عبر العصور قد استقر رأيهم على أن النبي الأكرم محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد نزل عليه الوحي وبُعث بالرسالة وهو في سن الأربعين، وهو المشهور المتواتر بينهم، وعليه عمل الطائفة وأطبقت عليه كتب الحديث والتاريخ المعْتَمدة.
ويقف المحققون الشيعة أمام هذا السن (الأربعين) وقفة تدبر وتحليل، لا باعتباره توقيتاً زمنياً اعتباطياً، بل كحكمة إلهية بالغة؛ فسن الأربعين يمثل في الرؤية الإسلامية عموماً، والفكر الإمامي خصوصاً، مرحلة التكامل الحقيقي وكمال النضج العقلي والنفسي والبدني، حيث تبلغ طاقات الإنسان وقدراته الاستيعابية قمتها، وهو ما تشير إليه النصوص الدينية في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾.
استمرارية النبوة والارتباط بالغيب
تؤكد المدرسة الشيعية أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن غافلاً عن مقامه العظيم أو تفاجأ بالنبوة بمعزل عن الإعداد الإلهي المسبق، بل تشير الروايات المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) إلى أنه كان نبيّاً في مرتبة الباطن والحقيقة منذ أن خلق الله طينته، وكان يسمع الأصوات ويشاهد الأنوار ويرى الملائكة مُبكرًا، غير أن الإعلان الرسمي للرسالة والتبليغ العام للناس باننزال جبرائيل (عليه السلام) بـ "اقْرَأْ" كان في السابع والعشرين من رجب عند استكمال سن الأربعين.
هذا التنسيق الإلهي الدقيق يتيح للبشرية أن تتلقى الرسالة الخاتمة على يد شخصية تكاملت أدواتها القيادية والفكرية، وبلغت الحكمة أوجها، ليكون أقدر الناس على تحمل أعباء رسالة ضخمة تُغيّر وجه التاريخ. كما ترتبط هذه المرحلة بظهور طلائع الإيمان المبكر في شخصية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي لازم النبي منذ طفولته وحتى يوم البعثة، ليُشكل هذا الحدث الفاصل منطلقاً لمسيرة التوحيد والعدل في الإسلام.
خلاصة: إن اتفاق الإمامية على سن الأربعين للبعثة النبوية يعكس انسجام النص التاريخي مع الأصول الفكرية والعقائدية التي تقر بأن الأنبياء يُصطفون على عِلم وبصيرة، وتُناط بهم المهام الكبرى في التوقيت الأكمل للبشرية.
هل تود التعرف أكثر على تفاصيل يوم المبعث النبوي الشريف والأحداث التي رافقته في مصادر الحديث الشيعية؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.